تحديات التعافي في قطاع غزة بعد الحرب

نزوح وإبادة.. مأساة نادية صبري في غزة بين الدمار وفقدان الأمان
نزوح وإبادة.. مأساة سكان غزة بين الدمار وفقدان الأمان (الجزيرة)

يشكل التعافي قضية بالغة الأهمية بين ضحايا الحروب عبر التاريخ، وقد أفرزت تداعيات الحرب عواقب نفسية واجتماعية واقتصادية طويلة الأمد على الأفراد والمجتمعات.

وفي كل من هذه الصراعات، يشكل التأثير النفسي والاجتماعي للحرب تحديات كبيرة للتعافي وإعادة التأهيل، ولا يزال إرث هذه الصدمات يؤثر ليس فقط على الضحايا الحاليين، بل أيضا على الأجيال اللاحقة، مما يبرز الحاجة إلى برنامج فعال للتعافي من الصدمات، وربطه بنظام دعم اجتماعي في جهود التعافي بعد الحرب.

المصدر الآخر لألم سكان غزة هو استمرار حالة عدم اليقين بشأن المستقبل، سواء أكان ذلك يتعلق بالسلامة الشخصية، أم الاستقرار الاقتصادي، أم الوضع السياسي وتكرار الحروب على فترات متتالية

أدت حرب الإبادة على غزة لخلق حالة من عدم الاستقرار، وساهمت في صنع اختلالات في تركيبة المجتمع، وتعرضه للصدمات النفسية، والدمار الاقتصادي، وفقدان الهوية الثقافية، وانهيار الرعاية الصحية، مشكلة تحديات رئيسية يواجهها سكان غزة تسهم جميعها في تدهور المجتمع؛ لذا كان لا بد من الشروع في التعافي على كافة مستوياته.

تعد حرب الإبادة على غزة مثالا واضحا على كيفية خلق الحروب لانتهاكات جسيمة ضد الإنسانية، فمنذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 استشهد حوالي 65 ألف شخص بوحشية على مدار ما يقرب من 730 يوما، كما عانى الناجون من نوبات الهلع وخطر التعرض لاضطراب ما بعد الصدمة والاكتئاب، إلى جانب اضطراب اجتماعي حاد.

وشهد العديد من الناجين مذابح عائلاتهم وجيرانهم، مما أدى إلى أزمات في مجال الصحة العقلية، وصدمات نفسية وجسدية، ومشاكل صحية متوارثة عبر الأجيال، مما يترك ندوبا نفسية دائمة.

إضافة إلى ذلك، كان للتعذيب الجسدي والنفسي الذي تعرض له المعتقلون والأسرى في معسكرات الاعتقال آثار طويلة الأمد على صحتهم النفسية، ويخلق تحديات أمام جهود التعافي بعد الحرب.

تعد غزة بيئة صعبة ومثالا جيدا على بيئة ديناميكية غير مستقرة؛ وإننا نحتاج لفهم خصائص غزة بعد حرب 2023، نظرا لأن مفهوم التعافي لا يقتصر فقط على إعادة الإعمار على مستوى البنيان والبنى التحتية، بل يتضمن إعادة إعمار الإنسان نفسه، وإدراك تحديات التعافي وما ستتطلبه من تدخلات نفسية واجتماعية لمواجهة الأزمة الحالية، ومن ضمنها:

إعلان
  • سردية جماعية عن المعاناة والفقد: غالبا ما يتشارك سكان غزة في سردية جماعية عن المعاناة والفقد، مما يؤثر على تماسك المجتمع والهويات الفردية.

هذه التجربة المشتركة من الألم والصدمة الجماعية قد تعزز الوحدة، لكنها أيضا تفاقم الشعور بالألم والحزن في المجتمع. إضافة إلى ذلك، يسهم النزوح المتكرر بتدمير النسيج الاجتماعي، والشعور بالوحدة والعزلة، ويزيد الحصار والقيود المفروضة على الحركة من تفاقم هذه العزلة عن العالم الخارجي، بل وحتى لبعضهم عن بعض.

إن الفقدان المستمر دون فرصة للحزن بشكل مناسب، أو الوصول إلى نهاية، يمكن أن يؤدي إلى حزن معقد واكتئاب حاد، مما يؤثر على قدرة الأفراد على العمل والتفاعل مع مجتمعهم

  • النزوح القسري: لقد أسفرت الحرب عن أزمة إنسانية لا تزال مستمرة، حيث نزح آلاف الفلسطينيين داخليا، وخاصة أولئك الذين تعرضوا أو شهدوا القصف والتعذيب ووفاة أحبائهم، وفقدانهم، وفقدان منازلهم أو نزوحهم المتكرر، حيث يعيش معظم سكان غزة اليوم دون مكان مستقر للعيش، وتحت ظروف معيشية صعبة، مما يخلق حالة من انعدام الأمن، ويعطل الحياة الأسرية والمجتمعية.

وكان التأثير النفسي على الأطفال بشكل خاص شديدا، في ظل الانقطاع عن التعليم، والتوقف عن ممارسة حياتهم الطبيعية وحقهم في التعليم والحماية.

  • حالة عدم اليقين بشأن المستقبل: المصدر الآخر لألم سكان غزة هو استمرار حالة عدم اليقين بشأن المستقبل، سواء أكان ذلك يتعلق بالسلامة الشخصية، أم الاستقرار الاقتصادي، أم الوضع السياسي وتكرار الحروب على فترات متتالية، مما يؤدي إلى توتر وقلق مزمنين، يؤثران على الصحة النفسية.
  • دمار البنى التحتية ونقص فرص العمل: إن نقص فرص العمل في غزة، إلى جانب الدمار واسع النطاق للبنية التحتية، دون القدرة على إعادة بناء الحياة، وارتفاع معدلات البطالة والفقر، يؤثر بشكل كبير على الاستقرار الاجتماعي وكرامة الفرد، ويزيد من الاعتماد على المساعدات الإنسانية، مما يؤثر سلبا على تقدير الذات والقدرة على اتخاذ القرارات.
  • الفقد والحداد: مما لا شك فيه أن الفقد والحداد يفاقمان الأزمة، إذ يعد فقدان العديد من أفراد الأسرة بين سكان غزة، وتدمير المنازل، مصدرين عميقين للحزن والحداد. كما أن استمرار الصراع يعني أن العديد من سكان غزة غير قادرين على إيجاد نهاية أو سلام، إذ يعيدون عيش صدماتهم باستمرار مع كل حادثة عنف جديدة.

إن الفقدان المستمر دون فرصة للحزن بشكل مناسب، أو الوصول إلى نهاية، يمكن أن يؤدي إلى حزن معقد واكتئاب حاد، مما يؤثر على قدرة الأفراد على العمل والتفاعل مع مجتمعهم.

  • المرونة وآليات التأقلم في المجتمع الغزي: على الرغم من هذه التحديات الهائلة في غزة، وخاصة بعد حرب أكتوبر/تشرين الأول 2023، لا يمكن التقليل من أهمية المرونة وآليات التأقلم في المجتمع الغزي، في محاولة لتفادي خطر الإصابة بالأمراض النفسية والعصبية، كما يعد الدعم المجتمعي والترابط الأسري أدوات أساسية، يستخدمها العديد من سكان غزة للتكيف مع واقعهم القاسي.

إن تطبيق إستراتيجيات شاملة للتعافي على كافة المستويات يلعب دورا محوريا في بناء مجتمع مرن، قادر على مواجهة تحديات المستقبل، من خلال الجمع بين الدعم النفسي والتنمية الاقتصادية وتحسين الرعاية الصحية والفرص التعليمية

إن وجود شبكات دعم مجتمعية ضرورة حيوية للبقاء والتكيف، لكونها توفر الدعم العاطفي والمساعدة الفعالة، وهما أمران حاسمان في أوقات الأزمات، ويمكن دعم ذلك بممارسات ثقافية ودينية للمساعدة في توفير الراحة النفسية والشعور بالاستمرارية في خضم الفوضى.

إعلان

تتطلب مواجهة تحديات التعافي إستراتيجية متعددة الأبعاد تركز على المجتمع، يمكن تصميمها للتخفيف من الآثار السلبية لهذه الحرب المدمرة على غزة، بدءا من التركيز على إعادة تأهيل المدارس والمرافق التعليمية في أسرع وقت ممكن، إلى جانب تعزيز البرامج المجتمعية التي تعزز التماسك الاجتماعي والمرونة، وتلبي الاحتياجات المحلية، وضرورة تعزيز الرعاية الصحية الأولية من خلال خدمات الصحة النفسية المركزة، مع إعادة بناء التماسك المجتمعي، وإنعاش الاقتصاد، وترميم البنية التحتية.

ومن الضروري جعل البيئة غير المستقرة أو الديناميكية أكثر أمانا لكل من العاملين في المجال الصحي والإغاثي والأشخاص المتضررين، ما من شأنه أن يساعد على استيعاب مختلف الاحتياجات، والتكيف مع بيئة متغيرة.

إن تطبيق إستراتيجيات شاملة للتعافي على كافة المستويات يلعب دورا محوريا في بناء مجتمع مرن، قادر على مواجهة تحديات المستقبل، من خلال الجمع بين الدعم النفسي والتنمية الاقتصادية وتحسين الرعاية الصحية والفرص التعليمية.

وهذا المسار يتطلب مشاركة مختلف الجهات المعنية، بمن في ذلك القادة المحليون والمنظمات الدولية والحكومات، لتنسيق الجهود التي تتفهم السياق الفريد لغزة، بحيث يمكن ضمان فاعلية التدخلات، ومواءمتها مع احتياجات سكان غزة بعد الحرب.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان