- خوارزميات الانحياز: هل تحول الشباب العربي من فاعل سياسي إلى رهينة رقمية؟
ما بين غرف الصدى (Echo Chambers)- ما تظهره الخوارزمية لتحبسك في مرآة آرائك- وفقاعة الفلترة (Filter Bubble)- ما تخفيه الخوارزمية عنك بناء على تاريخ بحثك- تحولت منصات التواصل الاجتماعي خلال العقد الماضي من "ميادين رقمية" للتحرر، كما وصفت إبان ثورات الربيع العربي، إلى مختبرات كبرى للهندسة الاجتماعية.
ولم تعد الخوارزميات مجرد أسطر برمجية لتنظيم المحتوى، بل أصبحت "حراس بوابات" جددا يقررون ما يراه الشاب العربي وما يحجب عنه، ما يطرح تساؤلات جوهرية حول قدرة هذه الأدوات على إعادة صياغة الوعي السياسي، وتوجيه بوصلة الرأي العام في المنطقة.
مفهوم "فقاعة الفلترة" (Filter Bubble)، وهي حالة العزلة التي تفرضها الخوارزمية بناء على السلوك السابق للمستخدم
سجن "غرف الصدى" والانعزال المعرفي
تعتمد كبريات المنصات، مثل فيسبوك وإكس وتيك توك، على خوارزميات "الوصاية" التي تهدف في المقام الأول إلى رفع معدلات الاستبقاء (Retention)، عبر دفع المستخدمين إلى قضاء أطول وقت ممكن داخل بيئاتها الرقمية.
وتحقق هذه البرمجيات غايتها عبر حبس المستخدم فيما يعرف بـ "غرف الصدى" (Echo Chambers)، وهي بيئة رقمية تكرر فيها المعتقدات وتضخم، حيث تقترح الخوارزمية متابعة أشخاص ومحتوى يطابق توجهات المستخدم المسبقة، ما يولد لديه انطباعا زائفا بأن العالم بأسره يشاطره الرأي ذاته.
ويتكامل هذا مع مفهوم "فقاعة الفلترة" (Filter Bubble)، وهي حالة العزلة التي تفرضها الخوارزمية بناء على السلوك السابق للمستخدم، إذ قد يحجب محرك البحث نتائج لمواقع إخبارية أو آراء مخالفة لمجرد أن المستخدم لم يتفاعل معها سابقا.
وبالنسبة للشباب العربي، يؤدي هذا الانعزال إلى حالة من "الاستقطاب الحاد"، حيث تتقلص المساحات المشتركة للحوار، ويتحول الاختلاف السياسي والاجتماعي إلى صراع هوياتي، ما يؤدي في نهاية المطاف إلى تآكل نسيج العمل الوطني وتفتيت التوافقات المجتمعية.
التشتيت المتعمد للوعي السياسي يدفع الأجيال الشابة نحو "النشاطية الرقمية الزائفة" (Slacktivism)، وهي الحالة التي يكتفي فيها الفرد بالتفاعل الافتراضي عبر ضغط زر "إعجاب" أو مشاركة
هندسة "الترند" وإدارة السخط
تلعب الخوارزميات دورا محوريا في تحديد تعريف "الأهمية" من خلال آلية الانتشار الفيروسي (Virality). وغالبا ما تمنح هذه الأنظمة الأولوية للمحتوى الذي يثير الغضب أو المشاعر الحادة، باعتبارها المحفز الأكبر للتفاعل الرقمي.
وفي السياق العربي، يلاحظ بوضوح تراجع قضايا مصيرية في قائمة الوسوم الأكثر تداولا (Trending Hashtags)، لصالح سجالات هامشية أو "بوليميك" (Polemics) ديني واجتماعي مفتعل.
هذا التشتيت المتعمد للوعي السياسي يدفع الأجيال الشابة نحو "النشاطية الرقمية الزائفة" (Slacktivism)، وهي الحالة التي يكتفي فيها الفرد بالتفاعل الافتراضي عبر ضغط زر "إعجاب" أو مشاركة، دون أن يترجم ذلك إلى حراك فعلي أو وعي حقيقي على أرض الواقع.
ولا يمكن قراءة تشكل الوعي السياسي العربي بمعزل عن الانحيازات البرمجية الصريحة التي تمارسها شركات التكنولوجيا الكبرى. وقد كشفت أحداث العدوان على غزة عن ظاهرة "الحظر المظلل" (Shadow Banning)، حيث جرى تقييد وصول المحتوى الداعم للقضية الفلسطينية عبر خوارزميات تتعرف على كلمات مفتاحية وصور رمزية معينة.
إن هذا التلاعب لا يحجب الحقيقة فحسب، بل يعمل على "إعادة معايرة" الوعي السياسي للشباب، عبر فرض الرواية المنحازة بوصفها "رواية افتراضية"، في حين تظهر السردية العربية على أنها "محتوى حساس" أو "مخالف لمعايير المجتمع".
ويضع هذا المستخدم العربي أمام تساؤل حتمي: هل نحن مستخدمون لهذه المنصات أم "مستخدمون" من قبلها؟ وهل يساق الوعي الجمعي من تطابق زائف في الرأي إلى تغييب متعمد عن القضايا الوجودية؟
إن مواجهة تغول الخوارزميات لا تبدأ بالانكفاء، بل بامتلاك "الثقافة الرقمية النقدية". فمن الضروري أن يدرك الشباب العربي أن ما يظهر على شاشاتهم ليس "الحقيقة الكاملة"، بل نسخة مفصلة وفق خوارزميات الربح وأجندات الجهات المزودة للخدمة.
كما أن استعادة الوعي تبدأ بكسر هذه الفقاعات عبر البحث النشط عن التعددية، والضغط نحو تشريعات تضمن "السيادة الرقمية" العربية. ويتطلب الأمر أيضا جهدا تكنولوجيا عربيا مشتركا لتطوير منصات تعكس الهوية المحلية، وتحمي العقول من "الاستعمار الخوارزمي"، لضمان ألا تظل عقول الأجيال القادمة رهينة برمجيات تكتب في وادي السيليكون وتخدم أجندات عابرة للحدود.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

