أزمة أوكرانيا تعيد رسم علاقة الاتحاد الأوروبي بالمغرب العربي!

تصميم خاص - أزمة أوكرانيا تعيد رسم علاقة الاتحاد الأوروبي بالمغرب العربي!
الكاتب: لا يمكن تحصين أوروبا من الشرق دون تأمين الجنوب ومن هذه النقطة عاد الاهتمام الأوروبي إلى شمال أفريقيا (الجزيرة)
  • تحول البلقان والاتحاد الأوروبي: كيف أعادت أزمة أوكرانيا تعريف الشراكة الأوروبية المغاربية؟

منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير/شباط 2022، لم تعد خريطة النفوذ الأوروبية كما كانت. فالمعركة التي دارت على ضفاف نهر دنيبر لم تُعد فقط تشكيل موازين القوى بين موسكو وبروكسل، بل أعادت أيضا ترتيب دوائر الاهتمام الجيوسياسي داخل الاتحاد الأوروبي، فاتجهت بوصلة أوروبا شرقا نحو البلقان، وجنوبا نحو المتوسط، وبالأخص نحو الضفة المغاربية التي وجدت نفسها مجددا في قلب معادلة الأمن والطاقة الأوروبية.

لقد كان الاتحاد الأوروبي قبل أزمة أوكرانيا يعيش حالة توازن هش بين طموحاته كقوة سياسية موحدة ومصالحه الاقتصادية المتشعبة مع الجوارين الروسي والمتوسطي. لكن الحرب جاءت كزلزال جيوسياسي جعل بروكسل تعيد تعريف مفهوم "الشراكة"، لا باعتبارها علاقة تعاون إنمائي كما كان يروج في تسعينيات القرن الماضي، بل بوصفها اليوم علاقة أمنية-إستراتيجية مرتبطة مباشرة بالأمن الغذائي والطاقة والهجرة.

مع تقليص إمدادات الغاز الروسي، وجدت أوروبا نفسها في حاجة ماسة إلى بدائل من الجنوب. الجزائر وليبيا أصبحتا شريكتين إستراتيجيتين في مجال الطاقة، فيما تحول المغرب وتونس إلى ممرات حيوية للهجرة والسلع

البلقان بوابة جديدة لتوسع أوروبا

منذ سنوات، ظلت دول البلقان الغربية، كصربيا وألبانيا والبوسنة ومقدونيا الشمالية وكوسوفو والجبل الأسود، في وضع الانتظار أمام أبواب الاتحاد الأوروبي. غير أن الحرب في أوكرانيا قلبت المعادلة رأسا على عقب. فالمخاوف من تمدد النفوذ الروسي في صربيا أو عبرها دفعت بروكسل إلى تسريع مفاوضات الانضمام ومنح البلقان أولوية إستراتيجية.

وفي الوقت ذاته، أدركت أوروبا أن الفراغ الاقتصادي والأمني في تلك المنطقة يمكن أن يتحول إلى ثغرة قاتلة في خاصرتها الشرقية، تماما كما كان المتوسط ثغرتها الجنوبية. وهنا برزت معادلة جديدة: لا يمكن تحصين أوروبا من الشرق دون تأمين الجنوب. ومن هذه النقطة بالتحديد عاد الاهتمام الأوروبي إلى شمال أفريقيا، ولكن بعيون مختلفة هذه المرة.

من الشراكة إلى "التعاقد الأمني"

كانت اتفاقية برشلونة سنة 1995 قد أرست مفهوم "الشراكة الأورومتوسطية"، القائم على التنمية والتقارب الثقافي والإصلاح الاقتصادي. غير أن التحولات اللاحقة، من 11 سبتمبر/أيلول إلى الربيع العربي فالهجرة غير النظامية، دفعت الاتحاد الأوروبي إلى تحويل الشراكة إلى ما يشبه "التعاقد الأمني"، حيث صارت الأولوية هي حماية الحدود ومنع تدفقات اللاجئين.

إعلان

بعد 2022، ازدادت هذه النزعة الأمنية حدة. فمع تقليص إمدادات الغاز الروسي، وجدت أوروبا نفسها في حاجة ماسة إلى بدائل من الجنوب. الجزائر وليبيا أصبحتا شريكتين إستراتيجيتين في مجال الطاقة، فيما تحول المغرب وتونس إلى ممرات حيوية للهجرة والسلع. ومع هذا التحول، أعادت بروكسل صياغة علاقاتها مع كل دولة مغاربية وفق منطق "الوظيفة": من يضمن الغاز؟ من يضبط الحدود؟ من يوازن النفوذ الروسي أو الصيني؟

مع أن الجزائر استفادت من ارتفاع أسعار الطاقة، فإنها لم تنخرط بالكامل في الخطاب الغربي المناهض لروسيا، بل حافظت على سياسة الحياد النسبي

الجزائر وورقة الطاقة

برزت الجزائر خلال الأزمة كأحد أهم البدائل للغاز الروسي. فقد ضاعفت صادراتها إلى أوروبا عبر أنبوب "ميدغاز" نحو إسبانيا و"ترانسميد" نحو إيطاليا، لتصبح محورية في سياسة أمن الطاقة الأوروبية. لكن هذا الدور لم يأتِ دون ثمن سياسي. فالاتحاد الأوروبي، وهو يعول على الجزائر، يجد نفسه في الوقت ذاته مضطرا إلى التعامل مع توتراتها الإقليمية مع المغرب، ما يجعل الشراكة مشوبة بالحذر والبراغماتية.

ومع أن الجزائر استفادت من ارتفاع أسعار الطاقة، فإنها لم تنخرط بالكامل في الخطاب الغربي المناهض لروسيا، بل حافظت على سياسة الحياد النسبي.

هذا الموقف جعل بروكسل تنظر إليها كشريك ضروري، لكنه "غير مضمون الانحياز"، الأمر الذي يفسر رغبة الاتحاد في موازنة العلاقة مع الرباط، التي تمثل بوابة أوروبا إلى أفريقيا وممرا إستراتيجيا للطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر.

المغرب بوصفه شريكا تحويليا

أما المغرب، فقد نجح في تقديم نفسه بعد أزمة أوكرانيا كشريك قادر على تجاوز منطق "الطاقة والهجرة" إلى منطق "التحول الأخضر". فقد دخل بقوة في مشاريع الطاقة المتجددة والهيدروجين، واستثمر في ربط شبكاته الكهربائية بالاتحاد الأوروبي.

وبذلك، لم تعد العلاقة بين الرباط وبروكسل علاقة تزويد وتصدير فقط، بل شراكة إنتاج مشترك للطاقة النظيفة في إطار "الصفقة الخضراء الأوروبية".

هذا التحول وضع المغرب في موقع مميز داخل الخارطة المتوسطية الجديدة، وجعله في تنافس غير معلن مع الجزائر على لقب "الشريك الموثوق". وبينما تركز الجزائر على الغاز التقليدي، تراهن الرباط على طاقة المستقبل، ما يمنحها ورقة تفاوضية متزايدة في ملفات التجارة والتنقل والتقارب الاقتصادي.

تونس بين الجغرافيا والضغط المالي

تونس، بدورها، وجدت نفسها في قلب أزمة مزدوجة: مالية واقتصادية من جهة، وضغط أوروبي من جهة أخرى. فالاتحاد الأوروبي، في ظل خوفه من موجات الهجرة عبر السواحل التونسية، جعل الدعم المالي مشروطا بإجراءات رقابية وأمنية مشددة.

هذا التحول في طبيعة العلاقة جعل من "الشراكة" الأوروبية-التونسية أداة ضغط أكثر منها تعاونا متكافئا، وكرس صورة الاتحاد كفاعل يبحث عن الاستقرار الأمني ولو على حساب الإصلاحات الديمقراطية.

نشهد اليوم محاولات أوروبية لتثبيت الحضور الاقتصادي والثقافي في المنطقة المغاربية، عبر مشاريع بنية تحتية وطاقة واتفاقات جديدة مع المغرب وتونس والجزائر، شبيهة باتفاقات الاندماج الاقتصادي التي أبرمت مع دول البلقان الغربية خلال العقدين الأخيرين

ليبيا.. الشريك الغائب الحاضر

أما ليبيا، فتبقى الحلقة الأكثر تعقيدا في المعادلة المتوسطية. فغياب الدولة المركزية جعل منها فضاء تنافس مفتوح بين إيطاليا وفرنسا وروسيا وتركيا. ومع تفاقم أزمة أوكرانيا، باتت أوروبا تنظر إلى ليبيا لا كبلد نفطي فحسب، بل كمنطقة عازلة لاحتواء المهاجرين ومراقبة الجنوب الليبي المتاخم لمنطقة الساحل، التي تنشط فيها جماعات مدعومة أحيانا من أطراف غير أوروبية.

البلقان والمغرب العربي.. جبهتان متكاملتان

من زاوية جيوسياسية، يمكن القول إن الاتحاد الأوروبي أصبح يعتمد إستراتيجية "الجبهتين": جبهة شرقية في البلقان لمواجهة روسيا، وجبهة جنوبية في المتوسط لمواجهة الاضطراب والهجرة. غير أن ما يميز المرحلة الراهنة هو التداخل بين الجبهتين.

إعلان

فالدروس التي تعلمتها أوروبا في البلقان، حيث ترك الفراغ الجيوسياسي الباب مفتوحا للتدخل الروسي والصيني، جعلتها أكثر حرصا على ألا يتكرر السيناريو نفسه في شمال أفريقيا.

لذلك نشهد اليوم محاولات أوروبية لتثبيت الحضور الاقتصادي والثقافي في المنطقة المغاربية، عبر مشاريع بنية تحتية وطاقة واتفاقات جديدة مع المغرب وتونس والجزائر، شبيهة باتفاقات الاندماج الاقتصادي التي أبرمت مع دول البلقان الغربية خلال العقدين الأخيرين. إن الاتحاد الأوروبي يكرر في الجنوب ما فعله في الشرق، لكن بمنطق أكثر براغماتية وأقل رومانسية.

نحو شراكة ذات وجهين

من الواضح أن أزمة أوكرانيا جعلت الاتحاد الأوروبي يكتشف هشاشة اعتماده على الخارج، سواء في الطاقة أو الغذاء أو سلاسل التوريد. ومن هذا الوعي ولدت الحاجة إلى إعادة تعريف الشراكة المتوسطية.

فهي لم تعد مبادرة إنمائية كما كانت في التسعينيات، بل تحولت إلى منظومة مصالح متبادلة، حيث تقدم دول المغرب العربي الطاقة واليد العاملة والعمق الجغرافي، مقابل الاستثمارات والتكنولوجيا والأمن الأوروبي.

لكن هذه الصيغة ليست بريئة. فحين يعاد تعريف الشراكة على أساس المصلحة، قد تتحول إلى علاقة تبعية جديدة. وهنا تبرز مسؤولية النخب المغاربية في صياغة تصور متوازن يضمن أن تكون الشراكة "تبادلية" لا "وظيفية". فالتاريخ يعلمنا أن أوروبا لا تمنح، بل تتبادل وفق ميزان القوة، وأن الفرصة الحقيقية تكمن في تحويل الموقع الجغرافي إلى ورقة تفاوض، لا إلى عبء أمني.

المتوسط يعود مجددا إلى قلب السياسة الأوروبية، وهذه فرصة نادرة للمنطقة كي تفرض رؤيتها، لا أن تفرض عليها الرؤى

دروس من البلقان للمغرب العربي

لقد أظهرت تجربة البلقان أن الانضمام أو التقارب مع الاتحاد الأوروبي لا يضمن بالضرورة الاستقرار أو الازدهار ما لم يكن مصحوبا بإصلاح داخلي عميق. فدول مثل ألبانيا ومقدونيا الشمالية لا تزال تعاني من هشاشة سياسية رغم تقدمها في مسار الاندماج. والدروس هنا واضحة: أن الشراكة الأوروبية يمكن أن تكون حافزا للتحديث، لكنها لا تغني عن الإرادة الذاتية لبناء الدولة.

وهذا ما ينطبق على الدول المغاربية، التي تمتلك كل منها مسارا خاصا: الجزائر بطاقة الطاقة، المغرب بالتحول الأخضر، تونس بالإصلاح السياسي، وليبيا بإعادة بناء الدولة. ما تحتاجه المنطقة اليوم ليس فقط "علاقة أفضل" مع أوروبا، بل هو تنسيق مغاربي داخلي يجعل الشراكة أكثر توازنا وقوة.

نحو أفق جديد للمتوسط

قد تكون أزمة أوكرانيا قد أعادت تعريف الشراكة الأوروبية المغاربية، لكنها أيضا فتحت نافذة تاريخية. فالمتوسط يعود مجددا إلى قلب السياسة الأوروبية، وهذه فرصة نادرة للمنطقة كي تفرض رؤيتها، لا أن تفرض عليها الرؤى.

فالعالم يتجه نحو إعادة هندسة خرائط النفوذ، وأوروبا تبحث عن شركاء مستقرين في زمن الفوضى. إن تحويل هذا الظرف إلى مكسب يتطلب من العواصم المغاربية أن تتحرك ككتلة إقليمية، لا كجزر منفصلة تتنافس على رضا بروكسل. عندها فقط يمكن أن تتحول الشراكة من تبعية أمنية إلى تكامل حقيقي يعيد للمتوسط توازنه ودوره كجسر حضاري.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان