- العودة التي لم تكن حياة
في ساحة مستشفى ناصر بخان يونس، تجمع الأهالي أمام شاشة كبيرة نصبتها الطواقم الطبية والصليب الأحمر.
على الشاشة تُعرض صور الجثامين التي أرسلها الاحتلال: أجساد أعادها بدم بارد بعد أن صادر ملامحها وحياتها، بعضها سحق تحت جنازير الدبابات، وبعضها أُعدم على قارعة الطريق، وآخرون احترقت أجسادهم تحت قذيفة أو في مطاردة جوية لم تترك فرصة للنجاة.. عادوا- كما لم يرد أحد أن يعودوا- صامتين، ممددين، بلا أسماء.
تتجمد الكلمات في الحناجر، وتبقى العيون وحدها تنطق: "هل هذا هو؟ هل انتهت الحكاية هنا؟".. لا إجابة سوى الصمت، لأن الموت وحده يتكلم الآن
أمهات بين الصورة والهاوية
تجلس الأمهات على الأرض، وجوههن تقترب من الشاشة كأنها تمسح التراب عن ملامح الأبناء، تتبدل الصور ببطء، ويختنق الهواء مع كل وجه جديد.. كل جسد احتمال، وكل رقم باب إلى العذاب.
واحدة تهمس: "هذا يشبهه"، وأخرى تصرخ ثم تصمت، كأنها اختنقت باليقين.. هنا لا دموع؛ لأن الحزن تجاوز البكاء.
آباء لا يجدون لغة
على الأطراف، يقف الرجال مذهولين، لا يدرون كيف يتكلمون أو إلى من يتجهون، يحمل بعضهم صورا قديمة، يطابقونها على الشاشة كمن يبحث عن أثر بين الرماد.
تتجمد الكلمات في الحناجر، وتبقى العيون وحدها تنطق: "هل هذا هو؟ هل انتهت الحكاية هنا؟".. لا إجابة سوى الصمت، لأن الموت وحده يتكلم الآن.
جثامين لا تروى
هؤلاء الذين على الشاشة ليسوا أرقاما عابرة في بيان عسكري، إنهم شباب ونساء وأطفال أُخذوا من الحياة قسرا، وتحولوا إلى صور تائهة بين الملفات الطبية والتقارير الحقوقية.
فمنهم من دُفن حيا تحت الركام، ومنهم من طاردته الطائرة حتى آخر أنفاسه، ومنهم من لم يعرف كيف مات، لكن المشترك بينهم أنهم جميعا ماتوا مرتين: مرة حين قُتلوا، ومرة حين عادوا مجهولين.
حين تغلق الشاشة، يبقى الهواء مشبعا برائحة الغياب؛ كل من خرج من الساحة ترك وراءه شيئا من نفسه، كأن المدينة تبتلع قلوب أهلها واحدا تلو الآخر
غزة.. الوجع الذي لا يقاس
لا شعارات في الساحة، ولا حديث عن بطولات.. المكان أثقل من اللغة، والناس أضعف من البكاء. هنا، الفقد لا يحتاج إلى وصف، لأنه صار هو اللغة الوحيدة الباقية.
حين تغلق الشاشة، يبقى الهواء مشبعا برائحة الغياب؛ كل من خرج من الساحة ترك وراءه شيئا من نفسه، كأن المدينة تبتلع قلوب أهلها واحدا تلو الآخر.
في تلك الليلة، لم يكن في غزة ضوء يُطفأ؛ الظلام اكتمل وحده. والشهداء، الذين أعادهم الاحتلال بلا أسماء، صاروا المرآة التي يرى فيها الناس معنى الفقد.. المدينة كلها واقفة أمام الشاشة، تشاهد نفسها تموت من جديد.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
