تعد الأعياد في جوهرها مرآة للعقائد، ومظهرا من مظاهر الانتماء الحضاري والديني، فهي ليست مجرد لحظات عابرة للبهجة، بل هي شعائر ترتبط ارتباطا وثيقا بالمنهج الذي يتبعه الإنسان.
وفي ظل عالم منفتح تتداخل فيه الثقافات، يبرز تساؤل حول "الكريسماس" وعلاقة المسلم به، وهو ما يستوجب وقفة تجمع بين الاعتزاز بالهوية، وسماحة التعايش.
من هنا نعلم أن لكل أمة شرعة ومنهاجا، وأن أعيادنا مرتبطة بطاعات كبرى، مما يجعلها جزءا من عقيدتنا وفكرنا، لا مجرد عادات اجتماعية وأعراف وطنية
أعيادنا منسك ومنهاج
لقد قرر الإسلام مبدأ الخصوصية في العبادات والمظاهر منذ اليوم الأول، فعندما قدم النبي ﷺ المدينة وجد للناس يومين يلعبون فيهما، فلم يترك الأمر على إطلاقه، بل وجه الأمة نحو هويتها الخاصة بقوله: "إن الله قد أبدلكم بهما خيرا منهما: يوم الأضحى ويوم الفطر" [رواه أبو داود].
ومن هنا نعلم أن لكل أمة شرعة ومنهاجا، وأن أعيادنا مرتبطة بطاعات كبرى، مما يجعلها جزءا من عقيدتنا وفكرنا، لا مجرد عادات اجتماعية وأعراف وطنية.
الاستقلال العقدي لا يعني الصدام
إن امتناع المسلم عن الاحتفال بـ"الكريسماس" ينبع من احترامه لعقيدته التي تخالف في أصلها المبررات الدينية لهذا العيد. وقد وصف الله- عز وجل- عباده المؤمنين بصفات جليلة، كان من بينها ما جاء في قوله تعالى: (والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما) [الفرقان: 72].
وقد ذهب كبار أئمة التفسير من السلف، كمجاهد، والضحاك، وعكرمة، إلى أن "الزور" في الآية هو حضور أعياد المشركين والمشاركة فيها. فالقضية ليست في الفرح بحد ذاته، بل في شهود شعائر دينية لا تتفق مع توحيد المسلم لربه.
لقد حذرنا النبي ﷺ من ذوبان الشخصية المسلمة في تقليد الأمم الأخرى فيما يختص بشؤونهم الدينية، فقال ﷺ: "من تشبه بقوم فهو منهم" [رواه أبو داود].
وهذا التشبه في الأعياد هو أشد أنواع التقليد تأثيرا على الهوية والفكر، لأنه يعني ضمنيا القبول بمفاهيم تخالف شريعتنا. فالله- سبحانه وتعالى- قد أمرنا بالتميز والاتباع فقال: (ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون) [الجاثية: 18].
إن الحفاظ على الهوية الدينية ليس دعوة للانعزال، بل هو صدق مع النفس ومع المعتقد. فالمسلم الحق هو من يحسن جوار جاره ويحترم إنسانيته، لكنه في الوقت ذاته يظل متمسكا بشعائر دينه
فهم الخصوصية في التهنئة الدينية
ومن تمام الاعتزاز بالهوية، أن يدرك المسلم الفرق الدقيق بين المجاملة الاجتماعية وبين المشاركة في الرموز الدينية؛ فبينما يخلط البعض بين التهنئة وبين البر المأمور به، يرى كثير من العلماء أن التهنئة في المناسبات الدينية تحمل دلالة "الإقرار" بمضمون تلك الشعائر، وهو أمر يحرص المسلم على التمايز فيه التزاما بعقيدة التوحيد التي يتبناها.
وقد أشار الإمام ابن القيم (رحمه الله) إلى أن الأعياد هي أخص ما تتميز به الأديان؛ لذا فإن الوقوف عند حدود أعيادنا ليس موقفا سلبيا تجاه الآخر، بل هو احترام لخصوصية كل دين. فالإسلام الذي حثنا على العدل والإحسان في كل شؤون الحياة، رسم فاصلا يحفظ لكل مؤمن ثوابت دينه دون جفاء أو تصادم.
نحن نعيش في أوطاننا مع جيراننا وشركائنا وأصدقائنا من النصارى، نحترم حقوقهم، ولا ننكر عليهم احتفالاتهم، فهذا شأنهم ومقتضى دينهم وعقائدهم، ولكن الإشكالية تكمن في اندفاع بعض المسلمين للاحتفال بتلك المناسبات التي لا صلة لنا بها.
ومن باب الاحترام المتبادل، نجد أن النصارى لا يحتفلون بأعياد المسلمين، وهذا أمر منطقي يحفظ لكل ذي دين خصوصيته، ومن باب أولى أن يلتزم المسلم بأعياده، اعتزازا بما شرعه الله له، دون جفاء مع الآخرين أو اعتداء على حقوقهم.
إن الحفاظ على الهوية الدينية ليس دعوة للانعزال، بل هو صدق مع النفس ومع المعتقد. فالمسلم الحق هو من يحسن جوار جاره ويحترم إنسانيته، لكنه في الوقت ذاته يظل متمسكا بشعائر دينه، مدركا أن عزه وفخره يكمن في اتباع ما جاء به الإسلام، وترك ما سواه من محدثات الأديان الأخرى.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

