لا يكاد يمر يوم في الولايات المتحدة الأميركية دون أن نستيقظ على خبر جديد عن حادث إطلاق نار جماعي، في مدرسة أو جامعة أو مستشفى أو متجر، أو حتى في شارع عادي، وغالبا ما يكون ضحايا هذه الحوادث أطفالا وطلبة ومدنيين وأشخاصا كانوا يمارسون حياتهم اليومية بقدر من الطمأنينة التي يشعر بها المرء في الأماكن العامة في أي مكان في العالم.
ومؤخرا، أضيفت حلقة جديدة في هذه السلسلة الطويلة من العنف المسلح الذي بات جزءا لا يتجزأ من المشهد الأميركي اليومي، مع حادث إطلاق النار الذي جرى داخل حرم جامعة براون بولاية رود آيلاند شمالي شرق الولايات المتحدة الأميركية، حيث لقي شخصان حتفهما وأصيب ثمانية آخرون بجروح خطيرة، ما أشعل مجددا الحوار حول الانفلات الأمني في الداخل الأميركي، والتعسف في منح المدنيين حق امتلاك السلاح.
وتثبت لنا هذه الحادثة أن الجامعات العريقة والأماكن المرموقة أمثال براون ليست بمنأى عن العنف المسلح الاعتباطي، وأن الحرم الجامعي في أميركا لم يعد مساحة آمنة كما يفترض أن يكون.
المضحك المبكي أن أميركا لم تشهد منذ أكثر من 30 عاما أي تشريع فدرالي كبير وجاد يضع حدا لهذه الفوضى، باستثناء قانون المجتمعات الآمنة الذي أقر عام 2022
فالطلبة وطاقم التدريس والإداريون والطلبة الذين يقيمون في السكن الجامعي باتوا عرضة لاحتمال الموت المفاجئ، في دولة يفترض أنها من أكثر دول العالم تقدما وقدرة على حماية مواطنيها.
هذا الواقع يضعنا أمام تساؤلات عديدة حول ثقافة السلاح في أميركا، ومفهوم الأمن الداخلي، والثمن الذي يدفعه المجتمع الأميركي مقابل التمسك شبه المقدس بحرية امتلاك السلاح، حتى أصبح العنف المسلح ظاهرة مرعبة تهدد حياة كل من يعيش في الدولة.
إن أي شخص يعيش في أميركا يدرك أن عمليات إطلاق النار تحدث بشكل شبه يومي في الأماكن العامة، ويذهب جراءها الكثير من الأبرياء، وهو ما يثير بداخلنا التعجب من هذا الخلل البنيوي الكارثي الذي لم يعد من الممكن تجاهله أو تبريره بأي شكل من الأشكال.
كيف لدولة تعتبر أضخم اقتصاد في العالم وتمتلك أكبر وأحدث الأجهزة الأمنية والاستخباراتية أن تعجز عن حماية طلبة في جامعاتها؟ وكيف تستمر حوادث العنف المسلح هذه في الحدوث على مدار عقود دون رادع واضح أو تغيير في منظومة التشريعات والقوانين المتعلقة بتملك الأسلحة؟
المؤسف أننا في نهاية عام 2025 ولا يزال الجدل حول ضبط السلاح وملكية الأسلحة النارية من أكثر القضايا انقساما في السياسة الأميركية والمجتمع الأميركي، والمضحك المبكي أن أميركا لم تشهد منذ أكثر من 30 عاما أي تشريع فدرالي كبير وجاد يضع حدا لهذه الفوضى، باستثناء قانون المجتمعات الآمنة الذي أقر عام 2022، والذي اقتصر تأثيره على توسيع فحوصات الخلفية لمشتري السلاح دون سن الحادية والعشرين، ومع ذلك سقط آلاف الأشخاص ضحايا في حوادث إطلاق نار جماعية.
حادثة جامعة براون تذكرنا أن الانفلات الأمني الداخلي في الولايات المتحدة يتجاوز كونه شأنا أميركيا داخليا، بل أصبح قضية أخلاقية وإنسانية تهم العالم كله
الولايات المتحدة معروفة عالميا بأنها بلد السلاح، وهي سمعة لم تأتِ من فراغ بالطبع، فبحسب التقديرات يمتلك المدنيون في أميركا نحو 393 مليون قطعة سلاح ناري، كما تمتلك الولايات المتحدة وحدها عددا من الأسلحة النارية يفوق مجموع ما تمتلكه الدول الـ24 العليا عالميا في حيازة السلاح بين المدنيين، وتشير الإحصاءات كذلك إلى أن واحدا من كل ثلاثة أميركيين يمتلك سلاحا، بينما يعيش 44% في منازل يوجد بها سلاح واحد على الأقل.
لا غرو في وقاحة هذا التسيب الشديد في امتلاك المدنيين الأسلحة، فكل رئيس أميركي جديد يصل إلى البيت الأبيض يزعجنا بالوعود الكبيرة والكلام البراق حول إنعاش الاقتصاد، وتحسين الرعاية الصحية، والتعليم، والسياحة، وغيرها، لكن لم ينجح أي رئيس حتى اليوم في وضع حد حقيقي للتشريعات المتساهلة المتعلقة بامتلاك السلاح، والنتيجة أن الأرواح ما زالت تزهق دون حق، والحلقة المفرغة ما زالت مستمرة.
حادثة جامعة براون تذكرنا أن الانفلات الأمني الداخلي في الولايات المتحدة يتجاوز كونه شأنا أميركيا داخليا، بل أصبح قضية أخلاقية وإنسانية تهم العالم كله، وتستدعي اتخاذ قرارات شجاعة وجادة تضع حياة الإنسان فوق أي حسابات أخرى، وإلا سيبقى العنف المسلح المستمر وصمة أبدية في جبين أميركا، والمدنيون هم من سيدفعون دوما الثمن الأكبر في انتظار من يوقف هذا الجنون وينصف ضحاياه.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

