ليس بدعا أن تربط وزيرة التربية والتعليم السيدة لولوة الخاطر بين اللغة والثقافة ومشاريع النهوض الكبرى، شاكرة سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، حفظه الله، على الدعم الذي قدمه لظهور هذا المعجم. فالقدر جعل اليوم الوطني لدولة قطر موافقا لليوم العالمي للغة العربية، ليأتي الدعم معبرا لا عن التلاقي القدري فحسب، بل عن الإيمان العميق والانتماء الرصين.
ولقد صدقت سعادة الوزيرة في ربطها بين الوجود الإنساني واللغة، فالأسماء بنية اللغات، وهي العلم الذي منحه الله تعالى لسيدنا آدم عليه السلام، أبي البشر، لما خلقه. وأجادت كذلك في ربطها بين النهوض الحضاري بأبعاده، وبين النهوض باللغات وانبعاثها. فإن كان إحياء العبرية قد دشن ظهور الكيان، وإن ضربت الوزيرة المثال باليونانية، فأزيد أن اليونانية قد بقيت لغة العلوم دهرا بعد أفول نجم اليونان إمبراطوريا.
وذاك أن اللغة، بوصفها حاملة للثقافة، تقوى ما قوي قومها حضاريا وثقافيا، ولو ضعفوا سياسيا، بل إن قوتهم السياسية تبدأ بلغاتهم. وإن جاز توسيع الإطار، فإن تجارب الوحدة الألمانية والإيطالية ارتكزت على اللغة، ومشاريع التغيير الثقافي بدأت باللغات، ودوننا التجارب الاستعمارية وما بعدها.
المؤتمر المصاحب كان فرصة عظيمة للانتقال من التاريخ إلى الواقع، ليثبت المعجم التاريخي أنه ليس متحفا للألفاظ بقدر ما هو مواكبة لسيرورتها وتطورها، واستنتاج دلالاتها واحتمالات هذا التطور
لقد أوجزت الوزيرة، وأبلغت، وأوصلت الفكرة؛ فاللغة روح الثقافة ولسانها، والكلمات حاملة الأفكار، وما الفكر إلا الألفاظ التي تصلنا. وإلا فمن رأى الفكرة تسير أو تتلون بعينيه؟
أما المعجم، فمنذ بواكيره حرصت على متابعة أخباره، بوصفه معجما تاريخيا متفردا، فهو بحث معمق ليس في اللغة فقط، بل في ذاكرتها، وتطور دلالاتها، وانتقال اللفظ من معنى إلى آخر، ومن مجال إلى مجال آخر، في ثقافة نبتت في الصحراء، لكنها تمكنت من أن تمد أغصانها حول العالم لما يجاوز 200 لغة تكتب حروفها بالعربية، علاوة عن الأثر العميق لها في الألفاظ المقترضة منها، وفي مختلف المجالات، من الأرز والقهوة، انتهاء بالجبر واللوغاريتمات، التي لم أحبها يوما، وللناس فيما يعشقون مذاهب.
وليس المقال خطبة في مدح المنجز، رغم استحقاقه المديح والثناء كله، وإنما لتبيان أهمية المنجز في حد ذاته. فالآن، لدى اللغة العربية والباحثين العرب فرصة ذهبية لمعرفة تطور اللفظ منذ أول ظهور مرصود له، وذلك قبل الإسلام بقرن ونصف إلى قرنين تقريبا، أي العصر الجاهلي المتأخر، حيث اتضح الخط العربي، واكتسب شكله، وانتظم التعبير الفني المنقول إلينا عبر القرون.
وهي فرصة كذلك للباحثين في دلالات القرآن وألفاظه لفهم المعاني المتداولة فيما قبل عصر النزول، وعصر النزول ذاته، انتهاء بما استجد من معانٍ في عصور الاحتجاج المنتهية بالقرن الرابع الهجري.
وفي المقابل، فإن المؤتمر المصاحب كان فرصة عظيمة للانتقال من التاريخ إلى الواقع، ليثبت المعجم التاريخي أنه ليس متحفا للألفاظ بقدر ما هو مواكبة لسيرورتها وتطورها، واستنتاج دلالاتها واحتمالات هذا التطور.
فقد ناقشت الجلسات العلاقة مع الذكاء الاصطناعي، وهي علاقة مركبة ذات أبعاد متنوعة، تبدأ بكم المحتوى العربي المتاح والمنشور على الشبكة، وتنتهي بمعضلات الترجمة وجودة المخرجات في الذكاء الاصطناعي.
وقد حضرت جلسة ثرية تناول فيها عدد من المختصين في الذكاء الاصطناعي والدراسات اللغوية موضوعات عدة، منها: العامية والعربية وتعامل الذكاء الاصطناعي معهما، والأمثال الشعبية العربية، واللهجات المختلفة، وتعامل الذكاء الاصطناعي معها في التواصل الاجتماعي.
وقد تمخضت المداخلات، في المجمل، عن إدراك أن اللغة العربية لها الأولوية والصدارة في الاهتمام الدراسي للعاملين في حقل الدراسات اللغوية والذكاء الاصطناعي. غير أن التعامل اليومي بالعامية في مجال الخدمات العمومية، والذي يستخدم فيه الذكاء الاصطناعي حاليا، يصعب فيه استخدام الفصحى، لتفاوت مستويات الناس في التعامل بها، واختلاف طرق لفظهم للكلمات ولهجاتهم.
اعتمد العمل بالحقول الدلالية، بحيث تقدم مجموعة من الكلمات المرتبطة بمفهوم محدد، ولكل حقل كلمة مركزية، وكلمات تحيط بها بصورة ثنائية لتكون المفهوم الرئيسي للحقل
وفي المقابل، أقر المحاضرون والمتداخلون بعجز الذكاء الاصطناعي عن التعامل مع الموروث الثقافي، والتحليل العلمي للأمثال والألفاظ بسهولة، علاوة على عدم قدرته على تجاوز مستوى الخطاب المباشر إلى المجاز واستيعاب احتمالاته المختلفة.
وفي الوقت نفسه، كان هناك تأكيد على أهمية تعزيز المحتوى العربي الرقمي، وتكثيف النشر العلمي، لكي تتمكن النماذج الحالية في الذكاء الاصطناعي من التعامل مع كمية كافية من البيانات لبناء النماذج.
وهنا ينبغي تسجيل مسائل ذات دلالة مهمة. فمن الناحية التقنية، وحسب متابعتي بعض ما يستجد في الذكاء الاصطناعي، فإن الذكاء الاصطناعي يتعامل عبر احتمالات متنوعة للبيانات المعالجة، ويقوم، بناء على النماذج المعطاة له، بوضع الطلبات الواردة ضمن نماذج جاهزة، ويستدعي المعلومات ويدرجها فيها ليخرجها في صيغة مناسبة لما يطلبه المتلقي.
وفي المقابل، ركزت الآليات التي عرضها المحاضرون على علاقات التضاد بين الألفاظ لبناء العلاقات بين الكلمات، حتى تكون واضحة عند معالجتها من قبل النماذج المختلفة. كما طرحت إشكالية الترادف في اللغة العربية، التي وجدها توشيهيكو إيزوتسو إشكالية لغوية، وأقر بعدم الترادف في اللغة.
ومن جانب آخر، اعتمد العمل بالحقول الدلالية، بحيث تقدم مجموعة من الكلمات المرتبطة بمفهوم محدد، ولكل حقل كلمة مركزية، وكلمات تحيط بها بصورة ثنائية لتكون المفهوم الرئيسي للحقل. فمثلا، التجارة تتضمن ألفاظا أساسية مثل: التجارة، البيع، الشراء، الكيل، الميزان، النقود، الذهب، الفضة.. إلخ. وتحتل الكلمة أهميتها بحسب عوامل متنوعة ومتداخلة، ويقترح بعض الباحثين اعتماد الإحصاء الكمي للتدليل على مركزية الكلمة.
وأعتقد أن هذا سيفيد العاملين في حقل الذكاء الاصطناعي في تسهيل تصنيف الألفاظ، وحل مشكلة المترادفات، وإشكاليات الترجمة، وتيسير الوصول إلى المعلومة اللغوية.
معجم الدوحة التاريخي سيمكن الباحثين أخيرا من النهوض بمستوى الدراسات اللغوية، خاصة مع تلك الرؤية التي تحاول جسر الهوة بين الدراسات اللغوية من جهة، وبقية الدراسات المعرفية من جهة أخرى
أما ما يتصل بالمخزون الثقافي، فلا يزال من المبكر الحديث عنه أصلا، بل الأصل أن الذكاء الاصطناعي، مهما بلغت كفاءته، قد لا يستوعب دلالات الأمثال ولا المعاني الثقافية الكامنة وراءها. فمثلا، عندما يقول السوداني: "كلام قصير"، فهو يقصد جملة تامة هي: "كلام قصير ما بينسمع"، ولكن أصل المثل فصيح، وهو: "لو يطاع لقصير أمر"، في قصة وقعت في الجاهلية لملك حذره وزيره قصير من مكيدة العدو فلم يستجب له، فقتل العدو الملك.
ويمكن تشخيص إشكاليات الذكاء الاصطناعي في معالجة النصوص العربية في أنه لا يزال غير قادر على بناء جمل مربوطة بأدوات ربط صحيحة، كما أن بناءه للجمل يفتقد إلى السلاسة، وأقصد بالسلاسة هنا جودة الأسلوب ووضوحه وعدم تعقد الفكرة. فهو يقوم بترجمة مباشرة للألفاظ وفقا للمعاني السياقية، وينجح في هذا الجانب، لكنه يترك مهمة التحرير النهائي للكاتب، وإن كان قادرا على استيعاب أسلوب الكاتب ومجاراته.
ويبقى الإشكال أكثر تعقيدا عند الترجمة من لغات غير الإنجليزية إلى العربية، حيث اضطررت شخصيا إلى الترجمة من لغات غير الإنجليزية إلى الإنجليزية، ومنها إلى العربية، للحصول على ترجمة واضحة ومرتبة المعلومات.
وفي المقابل، فإن الاتكال على الذكاء الاصطناعي يقود إلى ضعف الأسلوب اللغوي، ويؤدي إلى الرتابة، وقتل الإبداع واللمسة الفردية، والكسل المعرفي، خاصة عند التعامل معه على أنه محرك بحث ليس أكثر.
وفي الختام، فإن معجم الدوحة التاريخي سيمكن الباحثين أخيرا من النهوض بمستوى الدراسات اللغوية، خاصة مع تلك الرؤية التي تحاول جسر الهوة بين الدراسات اللغوية من جهة، وبقية الدراسات المعرفية من جهة أخرى.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

