عمالة الأطفال في سوريا: كيف تعيد السلطة إنتاج الفقر؟

Issa, 10 years old, measures a mortar shell on a machine in a weapons factory of the Free Syrian Army in Aleppo, September 7, 2013. Issa works with his father in the factory for ten hours every day except on Fridays. REUTERS/Hamid Khatib (SYRIA - Tags: POLITICS CIVIL UNREST CONFLICT)
الكاتب: لكي ينهض الاقتصاد السوري لا بد من تحرير التعليم والتدريب المهني من البيروقراطية وربطه بسوق العمل (رويترز)
  • الطفولة المهدرة في بنية الفقر السوري

من بين ظلال الشقاء، إلى حيث لا تصل العدسات ولا تكتب التقارير، يضيع المستقبل من أمام الجميع.. طفلان، لا يتجاوز عمر أحدهما أصابع اليدين، ينحتان في الصخر تحت لهيب الشمس، وتارة أخرى في برد قارص لا يرحم، لا شيء يقيهما الضياع سوى هذه الكلمات، التي قد تكون لبنة في مستقبل مختلف للجميع.

هذه الصورة ليست مجرد مشهد عابر في حياة السوريين، بل مرآة تكشف اختلالا في بنية المجتمع والدولة؛ فحين يترك الطفل في معمل الحجر بدل المدرسة، وحين يهدر شبابه في السعي وراء لقمة مستحيلة، فذلك يعني أن السلطة لم تعد تنتج مواطنين، بل تعيد إنتاج الفقر ذاته، جيلا بعد جيل.

الاستبداد يفسد العقل، ويقتل الطموح، ويمنع تطور الإنسان

  • عبد الرحمن الكواكبي

السلطة كمنظومة تعيد إنتاج الفقر: الإنسان والاقتصاد في دائرة التحكم

لم تكن سلطة النظام المخلوع في سوريا مجرد جهاز إداري يسيّر شؤون الدولة، بل منظومة أعادت صياغة المجتمع والاقتصاد وفق معادلة واحدة: كلما ازداد الفقر تعاظمت السيطرة! لم يترك الفقر كعرض مؤقت لاضطراب اقتصادي، بل تم تحويله إلى بنية مقصودة تعيد إنتاج نفسها جيلا بعد جيل.

فعندما يقصى التعليم عن دوره التحرري ليغدو أداة تلقين، ويختزل الإنسان إلى تابع في طابور الخبز، وعندما توزع الموارد على أساس الولاء لا الكفاءة، تتحول المدرسة إلى هامش، والوظيفة إلى امتياز، والمجتمع إلى ساحة اصطفاف لا منافسة. هكذا يغلق باب الحراك الاجتماعي، ويربى المواطن على الحاجة بدل القدرة؛ فيصبح الخبز وسيلة ضبط، والتعليم برتوكولا، والعمل قيدا لا فرصة.

تعود بي ذاكرتي إلى كلمات المفكر عبد الرحمن الكواكبي في كتابه "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد": "الاستبداد يفسد العقل، ويقتل الطموح، ويمنع تطور الإنسان"؛ ففي ظل الاستبداد، لا يسمح للمورد البشري أن ينمو أو يبدع، بل يعاد تشكيله ليخدم منظومة السيطرة، وحين يفسد العقل تغلق نوافذ التفكير الحر، وحين يقتل الطموح تغلق أبواب التقدم، وحين يمنع التطور يغلق المستقبل نفسه.

إعلان

لكن دائرة التحكم لا تقف عند الإنسان، بل تمتد إلى الاقتصاد نفسه؛ فالاقتصاد لم يدر لتنمية الثروة، بل لضمان استمرار الهيمنة. فبدل أن تطلق طاقات الإنتاج، جرى تكريس اقتصاد الريع والمحسوبية، وصناعة طبقة طفيلية تتغذى على القرب من السلطة، بينما أفرغت الطبقة الوسطى- عماد أي نهضة- لصالح فئتين: قلة نافذة، وجمهور منهك. وهكذا تحولت السوق إلى ساحة ولاءات لا فضاء تنافس، وغدا المال وسيلة إخضاع لا محرك بناء.

إنها حلقة محكمة؛ سلطة تنتج الفقر، وفقر ينتج تبعية، وتبعية تعيد إنتاج السلطة. وبين هذه الدوائر المتداخلة يضيع الطفل والمدرسة والمستقبل، ويختزل الوطن في منظومة تعيد إنتاج ذاتها على حساب الإنسان والاقتصاد معا.

إن إعادة الاعتبار للطفولة، عبر التعليم والتدريب، ليست مجرد سياسة اجتماعية، بل هي فعل حضاري يعيد بناء الإنسان كشرط أول لأي مشروع نهضوي

الطفل كرمز مهدر للثروة الوطنية

لو أن أولئك الأطفال الذين يقصون الرخام أو يلمعون الزجاج أمضوا ذات الساعات في ورشات تدريب مهني آمنة، أو مدارس إنتاجية تنمي مهاراتهم، لتغير وجه الوطن نفسه؛ فالوقت الذي يهدر في العمل القاسي يمكن أن ينتج مهارة وصناعة لو وجه التوجيه الصحيح.

ليس ذلك فحسب، بل إن كف يد الأطفال عن سوق العمل يعيد التوازن إلى سوق التشغيل، فيتيح فرصا للشباب العاطلين، ويمنع أرباب العمل من استغلال الطفولة كيد عاملة رخيصة تدمر الأجيال وتربك الاقتصاد.

الطفل العامل اليوم هو شاب مستنزف في الغد؛ بينما الطفل المتعلم هو استثمار طويل الأمد في رأس المال البشري، وهو الشرط الأول لأي نهضة وطنية حقيقية.

وهنا أستذكر المفكر مالك بن نبي، الذي قال في كتابه "شروط النهضة": "إن مشكلة كل أمة هي مشكلة حضارة، ولا يمكن أن تقوم الحضارة إلا على الإنسان، والتراب، والوقت".

لكن هذا الترتيب ليس اعتباطيا، بل هو ترتيب ملزم؛ إذ لا قيمة للتراب ولا للوقت إن غاب الإنسان القادر على استثمارهما؛ فحين يهدر الإنسان- كما في صورة الطفل العامل- فإننا لا نخسر فردا فقط، بل نخسر أحد أركان الحضارة ذاتها.

إن إعادة الاعتبار للطفولة، عبر التعليم والتدريب، ليست مجرد سياسة اجتماعية، بل هي فعل حضاري يعيد بناء الإنسان كشرط أول لأي مشروع نهضوي.

إن تفعيل القطاع الخدمي بهذه الطريقة لا يخلق وظائف فقط، بل يعيد توزيع الثروة، ويقلل هشاشة الاقتصاد الريفي، ويمنح الشباب والنساء فرصا حقيقية للمشاركة في التنمية

في الجمهورية الثالثة، لا ينبغي أن يقاس الوطن بعدد الأبراج، بل بعدد الأرواح التي استعادت كرامتها، ولا يجوز أن تصبح السلطة مصنعا للفقر، كي لا يمسي المواطن مادة خاما تشكلها الحاجة وتصقلها الخيبة؛ ففي كل يد صغيرة تلمع الحجر، هناك بذرة مقاومة تنتظر أن تروى بالعدالة، وحين تتوقف المطرقة عن ضرب الصخر لتمسك القلم، تبدأ أولى خطوات البناء الحقيقي.

فبناء وطن لا يقاس بثراء نخبه، بل بقدرة أطفاله على الحلم! لكن هذا الحلم لا يتحقق بالقوانين وحدها، بل بإعادة تعريف "التنمية" ذاتها؛ فالتنمية ليست مشروعات إسمنتية ولا مؤتمرات استثمار وحسب، بل تمكين الإنسان من أن ينتج ذاته بحرية وعدالة.

ولكي ينهض الاقتصاد السوري، لا بد من تحرير التعليم والتدريب المهني من البيروقراطية وربطه بسوق العمل، خاصة في القطاعات الحيوية التي تتقاطع مع موقع سوريا الجغرافي. وبما أن سوريا تقع على مفترق طرق تجاري بين آسيا وأوروبا، فإن تأهيل المورد البشري لتقديم خدمات لوجيستية، من النقل والتخزين إلى التوزيع والتخليص الجمركي، يمكن أن يحول الموقع من عبء سياسي إلى ميزة اقتصادية.

إعلان

وفي قلب هذا التحول، يكمن القطاع الخدمي كحلقة وصل بين الزراعة والصناعة، لا كمجرد هامش اقتصادي؛ فسوريا بلد زراعي ينتج ما يفوق حاجته، لكن تصدير المحاصيل بصيغتها الأولية يفقدها جزءا كبيرا من قيمتها.

وحين يدرب الشباب على التصنيع الغذائي، والتعبئة الذكية، والتسويق الرقمي، والخدمات اللوجيستية المرتبطة بالزراعة، تتحول القرية من منتج أولي إلى مركز اقتصادي متكامل يضيف قيمة في كل مرحلة، من الحقل إلى السوق.

وكذلك، حين تربط الصناعات المحلية بالخدمات الداعمة لها، من التصميم إلى التوزيع، يعاد بناء سلسلة القيمة الصناعية على أسس إنتاجية لا ريعية.

إنها جمهورية تعيد تعريف الثروة: لا في النفط ولا في العقارات، بل في العقول التي تفكر، والأيادي التي تبدع، والأطفال الذين يحلمون دون أن يقاطعهم الجوع أو يقيدهم الحجر

إن تفعيل القطاع الخدمي بهذه الطريقة لا يخلق وظائف فقط، بل يعيد توزيع الثروة، ويقلل هشاشة الاقتصاد الريفي، ويمنح الشباب والنساء فرصا حقيقية للمشاركة في التنمية. وحين تفعل الشراكة بين الدولة والمجتمع المدني لدعم المشاريع الصغيرة، وتربط التنمية بالعدالة الاجتماعية، تصبح الجمهورية الثالثة مشروعا لتحرير الإنسان من الحاجة، على قدر الأمل، لا لإعادة إنتاج التبعية.

هكذا تعاد صياغة العلاقة بين الإنسان والاقتصاد، وتفكك حلقات الفقر، ويعاد الاعتبار للطفولة كمصدر للثروة الوطنية، لا كعبء اجتماعي.. إنها الجمهورية التي تنتج الإنسان، لا تعيد إنتاج الفقر.

في الجمهورية الثالثة، لا يكون الطفل عاملا في معمل، بل متعلما في مختبر! لا يقاس نجاح الدولة بقدرتها على ضبط السوق، بل بقدرتها على إطلاق طاقات الإنسان. فالجمهورية الجديدة لن تبنى على أنقاض الخوف، بل على أعمدة الكرامة والمعرفة؛ فيها تفكك حلقات التبعية، ويعاد الاعتبار للمدرسة كمصنع للمواطنة، وللاقتصاد كأداة للتمكين لا للإخضاع.

إنها جمهورية تعيد تعريف الثروة: لا في النفط ولا في العقارات، بل في العقول التي تفكر، والأيادي التي تبدع، والأطفال الذين يحلمون دون أن يقاطعهم الجوع أو يقيدهم الحجر.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان