- الحتمية البنيوية للحرب القادمة بين روسيا والغرب.. قراءة في مؤشرات التصعيد ومأزق الردع الأوروبي
تتسارع التطورات الأمنية في أوروبا على نحو يعيد إلى الذاكرة لحظات ما قبل اندلاع الحربين العالميتين: الأولى، والثانية؛ فالتاريخ لا يكرر نفسه حرفيا، لكنه يعيد إنتاج بنيته في صيغ جديدة.
ومع تزايد المؤشرات الميدانية خلال عامي 2024-2025، من تحليق الطائرات المسيرة "المجهولة" فوق أراضٍ أوروبية، وتخريب الكابلات البحرية، وتصاعد المناورات العسكرية في بحر البلطيق، تتبلور فرضية مركزية في دراسات الأم: هي أن أوروبا والغرب يقتربان من مواجهة حتمية مع روسيا، ليس بوصفها "احتمالا طارئا"، بل كنتيجة بنيوية لمسار إستراتيجي طويل بلغ ذروته.
منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، اتجهت السياسة الغربية إلى توسيع الناتو شرقا باعتبار ذلك ضمانا للأمن الجماعي. لكن هذه الإستراتيجية -من منظور الواقعية الهجومية التي صاغها جون ميرشايمر- لم تكن سوى خطوة نحو تفجير توازن القوى القائم. فالنظام الدولي فوضوي بطبيعته، والدول العظمى لا تثق بنوايا غيرها، لذلك تميل إلى "تعظيم قوتها" كوسيلة لتأمين بقائها.
ترسم الوقائع خريطة متصاعدة لما يعرف بـ"حرب الظل" منذ تفجير أنبوب "Nord Stream 2" في بحر البلطيق عام 2023، وصولا إلى حادثة تخريب كابل "Baltic Connector" عام 2025، والتشويش الواسع على نظام GPS في شمال أوروبا
ومع كل توسع أطلسي، كانت روسيا ترى طوقا ناريا جديدا يقترب من حدودها، فترد بالمزيد من التسلح والمناورات، حتى أصبحت معضلة الأمن (Security Dilemma) واقعا يوميا في الجغرافيا الأوروبية. ومن هنا، لم يعد السؤال: "هل تريد روسيا الحرب؟" بل "متى ستجدها الخيار الأقل تكلفة؟".
تؤكد البيانات التي نشرها معهد ستوكهولم لأبحاث السلام (SIPRI 2025) أن الإنفاق العسكري الروسي ارتفع بأكثر من 12% سنويا منذ 2022، مع مضاعفة إنتاج الذخائر والمدفعية، في حين ما زال الإنفاق الدفاعي الأوروبي لا يتجاوز 2.1% من الناتج القومي.
أما تقرير المعهد الملكي للخدمات المتحدة (RUSI 2024)، فيشير إلى أن موسكو نجحت في تحويل ثلث اقتصادها إلى "اقتصاد حربي" فعلي، ما منحها قدرة تعبئة أسرع ثلاث مرات من متوسط الاتحاد الأوروبي.
في المقابل، يعاني الناتو من تباطؤ القرار الصناعي المشترك وتفاوت الأولويات بين أعضائه، وهو ما يجعل اللحظة الراهنة أقرب ما تكون إلى ذروة التفوق الروسي المؤقت، الذي قد يغري بالمبادأة العسكرية قبل أن تستعيد أوروبا توازنها.
على الصعيد الميداني، ترسم الوقائع خريطة متصاعدة لما يعرف بـ"حرب الظل" منذ تفجير أنبوب "Nord Stream 2" في بحر البلطيق عام 2023، وصولا إلى حادثة تخريب كابل "Baltic Connector" عام 2025، والتشويش الواسع على نظام GPS في شمال أوروبا.
يمكن القول إن هذه العمليات يجب عدم النظر إليها كحوادث معزولة أو عشوائية، بل كحلقات في سلسلة "الاختبار الحربي الهجين"؛ فإما أنها تهدف إلى استنزاف الأعصاب الأوروبية واختبار جاهزية الرد من الجهة الروسية (إن سلمنا جدلا أنها هي من أقدمت على كل ذلك)، أو أنها تأتي في سياق "الاستدراج الحربي" الخبيث من الجانب الأوروبي من أجل جر الروس إلى التماس الحربي المباشر مع دول التحالف، وشرعنة إعلان الحرب عليهم لاحقا.
الردع النووي، الذي كان لعقود هو الضمان الأعلى للاستقرار، بدأ يتآكل مع الزمن؛ فالتلويحات النووية الروسية المتكررة، مقابل الردود الغربية المتحفظة، أضعفت "هيبة الردع" رغم بقاء التوازن المادي قائما
ويذهب تقرير جهاز الاستخبارات الدفاعية الدانماركي "DDIS 2025" إلى أن روسيا تعتبر نفسها في "حرب هجينة" مع الغرب، وأن احتمال التحول إلى مواجهة مفتوحة "مرتفع ودائم".
هذه اللغة الصريحة، الصادرة عن مؤسسة حكومية أوروبية، تعني بوضوح أن الحرب لم تعد مجرد سيناريو محتمل، بل صارت توجُّها عمليا قائما، ويدار على أعتاب الإعلان الرسمي.
إن التحليل الزمني لهذه المؤشرات يُظهر أن نافذة المبادرة الحربية الروسية تمتد من 2025 إلى 2027، أي في الفترة التي ستبلغ فيها موسكو ذروة جاهزيتها العسكرية قبل أن تبدأ كلفة الاستنزاف الاقتصادي في الارتفاع. في تلك المرحلة، يصبح من المنطقي- وفق الواقعية البنيوية- أن تختار الدولة المبادرة بدل الانتظار حتى يكتمل الردع المقابل.
وهنا يظهر مفهوم "العد التنازلي البنيوي للحرب"؛ أي اللحظة التي تتقاطع فيها ثلاثة متغيرات: (القدرة، الزمن، الإرادة) لتجعل الصدام هو الخيار "المستقر" والثابت الوحيد للنظام الدولي.
أما الردع النووي، الذي كان لعقود هو الضمان الأعلى للاستقرار، فقد بدأ يتآكل مع الزمن؛ فالتلويحات النووية الروسية المتكررة، مقابل الردود الغربية المتحفظة، أضعفت "هيبة الردع" رغم بقاء التوازن المادي قائما.
ووفقا لنظرية "تآكل الردع النفسي" (Deterrence Decay)، فإن فقدان الإحساس بالخطر أشد خطرا من فقدان القدرة نفسها. يقول تشارلز غلاسر في تحليله للعقلانية الإستراتيجية: "عندما تتآكل مصداقية الردع، تفشل آلياته قبل أن يطلَق أي صاروخ".
عندما تتقاطع سرديتان وجوديتان في فضاء واحد، يصبح الحوار مستحيلا، لأن كل طرف يفسر التنازل على أنه هزيمة
حتمية عاجلة لا احتمالات تشاؤمية
وإذا أضيف إلى ذلك التشرذم الأوروبي، والانشغال الأميركي بالمعارك الداخلية بين الشعبوية والليبرالية من جهة، ورغبة الإدارة الأميركية الحالية في الانسحاب من التدخل في المشهد الأوروبي المحتدم، فإن الفراغ القيادي يفتح الطريق لروسيا لتجربة "هجوم محدود" على إحدى دول البلطيق، أو على منشأة لوجيستية في بولندا أو رومانيا، وإن بُرر ذلك بحجة "هجوم بالخطأ". في مثل هذا السيناريو، سيتردد الحلف في الرد الكامل، ما سيقوض ثقة الردع الجماعي.
ويكفي حادث واحد من هذا النوع، كما تشير دراسات كيم وميلر (Journal of Conflict Resolution and)، لتضاعف احتمالية الحرب ثلاث مرات خلال عام واحد.
من جهة أخرى، لا يمكن تجاهل التحول الاجتماعي في كلا المعسكرين؛ فروسيا نجحت في تعبئة اجتماعية تعتمد سردية قومية، تعتبر الصراع مع الغرب معركة "وجودية" ضد التفكك والهيمنة؛ بينما بدأت أوروبا تستعيد خطاب القوة، إذ تقول أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، إن "على أوروبا أن تتعلم لغة القوة من جديد".
وعندما تتقاطع سرديتان وجوديتان في فضاء واحد، يصبح الحوار مستحيلا، لأن كل طرف يفسر التنازل على أنه هزيمة. وهكذا تتحول الحرب من خيار عسكري إلى "لغة سياسية بديلة" بين أطراف فقدت القدرة على التفاهم.
كتب ميرشايمر قبل عقدين من الزمن: المأساة ليست في أن القوى العظمى تبحث عن الحرب، بل في أن بنية النظام الدولي تدفعها إليها رغم إرادتها
كل المعطيات السابقة تدعم مفهوما سياسيا جديدا أسمّيه "الحتمية العاجلة" (Immediate Determinism)، أطرحه في كتابي القادم "توقيت القوة: من الحتمية التاريخية إلى الحتمية العاجلة"، وهو مفهوم يعبر عن الحالة التي تتقاطع فيها عوامل القوة والزمن والإرادة، بحيث تجعل من الحرب الخيار الأكثر منطقية خلال فترة لا تزيد عن خمس سنوات.
ووفقا للنماذج الاحتمالية المحدثة (IIPE 2025)، يبلغ احتمال اندلاع مواجهة كبرى بين روسيا والغرب 58% بحلول عام 2027، و71% بحلول 2028، وهي نسب تتجاوز حدود "الاحتمال العالي" إلى "الترجيح البنيوي". وحتى بافتراض سيناريوهات الاحتواء، فإن تزايد الحوادث الهجينة والهجمات السيبرانية سيجعل من المستحيل الحفاظ على حالة "اللاحرب واللاسلم" هذه دون حادث يفجر المواجهة.
خلاصة القول: إن أوروبا اليوم تعيش ما يمكن تسميته "مرحلة ما قبل الانفجار"؛ فالتصعيد جارٍ بالفعل على مستويات استخبارية واقتصادية وإلكترونية وإعلامية، وما تبقى هو الانتقال من الخفاء إلى العلن.
وإذا لم تتغير بنية العلاقات الدولية نفسها، فإن الحرب القادمة- سواء بدأت في البلطيق أو البحر الأسود أو على حدود فنلندا- لن تكون حادثا عارضا، بل استحقاقا بنيويا تأخر أكثر مما يجب.
ولقد كتب ميرشايمر قبل عقدين من الزمن: "المأساة ليست في أن القوى العظمى تبحث عن الحرب، بل في أن بنية النظام الدولي تدفعها إليها رغم إرادتها".
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

