اعتاد الإعلام، لعقود طويلة، أن يبحث عن النجوم والمشاهير داخل المجتمع، فيسلط الضوء على الأفراد ذوي الحضور الطاغي في مجالات الغناء والموسيقى والرياضة والفنون والدراما والمسرح، باعتبارهم واجهة النجاح والإلهام.
وكان ذلك مفهوما في زمن كانت فيه النجومية الفردية هي الطريق الأقصر لجذب الانتباه وصناعة التأثير. لكن واقعنا اليوم، خاصة في المجتمعات المحلية التي أنهكتها الحروب، والأزمات الاقتصادية، والتفكك الاجتماعي، يطرح سؤالا مختلفا وأكثر إلحاحا: ما نحتاجه حقا هو نجم جديد، أم مجتمع كامل يتقاسم قيم النجومية؟
نحن نعيش وسط مجتمعات محلية تبدو عادية في ظاهرها، لكنها غنية بالقيم، والمبادرات، والتكافل، والعمل الصامت.
النجم هنا ليس المغني أو اللاعب المشهور، بل القرية، والحي، والمجموعة، والثقافة المحلية ذاتها.
نحن بحاجة إلى إعلام بصري جديد؛ إعلام لا يصنع نجوما من ورق، بل يفتح عيون الناس وعقولهم على تجارب حياتية قد تبدو عادية، لكنها في حقيقتها نماذج ملهمة، وجديرة بالاقتداء والاهتداء
في القرى والأحياء الطرفية، توجد شخصيات تبدو في ظاهرها عادية جدا، لكنها في جوهرها أعمدة خفية لبناء المجتمع… أناس لا تصنعهم الأضواء، بل تصنعهم الأفعال.
في إحدى القرى، تبرع رجل بسيارته الوحيدة لإعادة بناء مدرسة تهدمت، مفضلا أن يمشي على قدميه على أن يعيش الأطفال بلا تعليم.
وفي قرى الجزيرة، تكفلت مجموعة من الأسر بإعاشة عدد من الطلاب، يتقاسمون معهم الطعام والمأوى. وفي مدينة أم درمان، فتح طبيب عيادته مجانا لذوي الدخل المحدود، معتبرا أن مهنته رسالة قبل أن تكون مصدر دخل.
هذه ليست قصص أفراد فقط، بل ملامح مجتمعات النجوم؛ تلك التي تتكامل فيها المبادرات الفردية، وتتحول فيها القيم إلى سلوك يومي، ويصبح فيها الخير ممارسة جماعية، لا بطولة استثنائية.
هنا، لا يكون الشخص المستضاف إعلاميا هو الغاية، بل يكون بوابة للدخول إلى المكان: إلى الشارع، والمدرسة، والمركز الصحي، والبيوت، ووجوه الناس، ولهجتهم، وتفاصيل حياتهم… التركيز يكون على المنطقة من خلال الشخص، لا على الشخص بمعزل عن بيئته.
حين نقرأ خبرا عن مواطن سوداني بسيط من قرية في شرق الجزيرة، ظل يتبرع بحليب أبقاره دعما لجنود القوات المسلحة، فنحن لسنا أمام فعل فردي معزول، بل أمام قصة مجتمع كامل: قصة قيم، وتضامن
نحن بحاجة إلى إعلام بصري جديد؛ إعلام لا يصنع نجوما من ورق، بل يفتح عيون الناس وعقولهم على تجارب حياتية قد تبدو عادية، لكنها في حقيقتها نماذج ملهمة، وجديرة بالاقتداء والاهتداء.
أديبنا الكبير الطيب صالح لم يصل إلى العالمية عبر شخصيات خارقة، بل عبر أناس عاديين من قريته، حملوا قيم المجتمع السوداني في أنقى صورها. وبفضل مهارته السردية والوصفية، صعد بهؤلاء "العاديين" إلى سطح الأدب العالمي، ليُري العالم أنفسنا كما نحن، لا كما نحب أن نتزين.
وحين نقرأ خبرا عن مواطن سوداني بسيط من قرية في شرق الجزيرة، ظل يتبرع بحليب أبقاره دعما لجنود القوات المسلحة، فنحن لسنا أمام فعل فردي معزول، بل أمام قصة مجتمع كامل: قصة قيم، وتضامن، وشعور عميق بالمسؤولية الوطنية.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
