- لسنا مجرد أرقام في نشرة الأخبار: حكاية اللحم والدم خلف الستار المسدل
في هذا العالم المزدحم، نختصر نحن، الفلسطينيين، في خانات ضيقة، نتحول إلى معادلات رياضية باردة في تقارير الأخبار: "النازح رقم.." و"الشهيد رقم.." و"الجريح رقم.." حتى بيوتنا التي بنيناها حجرا حجرا، وذكرياتنا التي سكنت زواياها، تختزل في خانة "أضرار مادية"، والنقص في الخبز والماء والدواء مجرد إحصائية، أما دمار البنية التحتية فنسبة مئوية.
لكن العالم ينسى، أو يتناسى، أننا لسنا أرقاما؛ نحن لحم ودم، نحن بشر نضحك ونبكي، نشعر بالبرد ونحلم بالدفء، قلوبنا تنبض مثل بقية قلوب البشر، وعيوننا ترنو إلى حياة طبيعية، بسيطة، وهادئة، تماما كما يعيشها من يقرؤون أرقامنا من خلف الشاشات.
تخبركم التقارير الدولية أن "البنية التحتية مدمرة".. عبارة أنيقة، مهذبة، لا تخدش الحياء. لكن هل يخبركم التقرير عن رائحة الموت والمرض المنبعثة من برك المياه العادمة التي تقتحم شوارعنا؟
الستار لم يسدل بعد
اليوم، ومع الحديث عن اتفاقيات هنا وهناك، وما أعلنه ترامب وغيره، يحاولون إقناع العالم أن "قصة غزة" قد انتهت، وأن الحرب وضعت أوزارها، وبالتالي يجب أن تتراجع قضيتنا إلى الخلف.
العالم، الذي يعشق النهايات السعيدة في الأفلام، يريد أن يصدق أن ما حدث في غزة يشبه فيلما سينمائيا وصلنا فيه إلى مشهد الختام، ليرتاح ضميره المتعب ويطوي الصفحة.
لكن الحقيقة التي لا تخبركم بها الشاشات هي أن قصتنا لم تنتهِ، بل لعلها بدأت الآن بشكل أكثر قسوة ووضوحا. إن فيلم "الإبادة الجماعية" لم يبلغ شارته النهائية، ومسلسل "التطهير العرقي" لا يزال يعرض حلقاته الدامية؛ لعل العالم يهرب من الواقع المؤلم إلى وهم أن "الأمور بخير"، بينما نحن هنا نعيش الفصول الأشد إيلاما.
ما لا تقوله التقارير الدولية
تخبركم التقارير الدولية أن "البنية التحتية مدمرة".. عبارة أنيقة، مهذبة، لا تخدش الحياء. لكن هل يخبركم التقرير عن رائحة الموت والمرض المنبعثة من برك المياه العادمة التي تقتحم شوارعنا؟ هل يمكن للكلمات والأرقام أن تصف شعور الغثيان الذي يرافقك وأنت تشم رائحة المخلفات البشرية التي تغرق الطرقات؟
التقارير لا تتحدث عن "التلوث البصري" الذي يفقأ عيوننا، ولا عن الرعب الذي يسكننا ونحن نسير، نخشى أن تتلوث ملابسنا بهذه القاذورات التي تحاصرنا. هل تعلمون أننا نضطر لرسم "خارطة طرق" جديدة ومعقدة، فقط لنجد مساحة بضعة سنتيمترات نضع فيها أقدامنا دون أن تتلطخ بالمياه العادمة؟ التقارير صماء، لا تنقل لكم إلا قشور الحقيقة.
تخيلوا المشهد: عائلة كاملة تحت الركام، والاتصالات مقطوعة تماما بفعل المنخفض الجوي؛ فلا هاتف يعمل ولا إشارة استغاثة تصل
أنهار في الشوارع وموت تحت المطر
إذا كنتم تظنون أنكم تدركون حجم الدمار، فدعوني أخبركم عما حدث معي في "شارع الجلاء". كنت أتسوق في أحد المتاجر، وفجأة انهمر المطر. في لحظات، لم أعد قادرة على الخروج؛ لقد تحول الشارع فجأة إلى ما يشبه نهري دجلة والفرات.
من أين جاءت كل هذه المياه؟ كيف لزخة مطر أن تحول المدينة إلى سجن مائي يصل منسوبه إلى الركب؟ هنا تدرك أن البنية التحتية ليست مدمرة فحسب، بل منهارة تماما، تكفيها قطرات من الماء لتغمر الشوارع وتشل الحياة.
ومع المنخفض الجوي الذي استمر ثلاثة أيام، تكشفت الكارثة؛ كان "المحظوظون" منا هم من انحشروا في زاوية صغيرة جافة من بيوتهم، بينما بقية الغرف تغرق تحت دلف الأسقف. أما "سيئو الحظ"، فهم مثل جيراننا الذين استيقظ الحي كله على صراخهم؛ لقد انهار بيتهم المتهالك فوق رؤوسهم بفعل المطر.
تخيلوا المشهد: عائلة كاملة تحت الركام، والاتصالات مقطوعة تماما بفعل المنخفض الجوي؛ فلا هاتف يعمل ولا إشارة استغاثة تصل. اضطر الجيران للركض تحت المطر، يقطعون المسافات مشيا على الأقدام للوصول إلى الدفاع المدني والإسعاف. هذا الرعب لم يكن مشهدا فرديا، بل كان واقعا متكررا في كل ركن من أركان غزة.
قد يسأل سائل من الخارج بذهول: من أي طينة جبلتم؟ وكيف لا تنكسرون؟ نجيبهم بأننا تلاميذ في مدرسة الوجع، وأن نيرانهم مهما اشتدت قد تحرق البيوت، لكنها لن تحرق الجذور
عبقرية الألم في الخيام
أما سكان الخيام، فيا وجع القلب الذي لا يهدأ! لا توجد عبارات في قواميس اللغة تصف حالهم، لكنه من رحم المعاناة يولد الإبداع المجبول بالقهر. والدي، الذي يسكن في خيمة، استدعى ذاكرة الألم من خمسينيات القرن الماضي، تذكر كيف كان مخيم جباليا يغرق، وكيف كان الأجداد يحفرون الممرات لتصريف المياه.
اليوم، أعادوا الكرة، رفعوا خيامهم عن مستوى الأرض، أحاطوها بأكياس الرمل والسواتر الرملية، ورسموا خريطة هندسية لمجرى الماء تضمن خروجه بلا عودة. نجحت الفكرة بجهد الجميع، ونجت الخيام هذه المرة. إنه الدرس القاسي: الألم هو المعلم الأكبر.
قد يسأل سائل من الخارج بذهول: من أي طينة جبلتم؟ وكيف لا تنكسرون؟ نجيبهم بأننا تلاميذ في مدرسة الوجع، وأن نيرانهم مهما اشتدت قد تحرق البيوت، لكنها لن تحرق الجذور. فليعلم هذا العالم أننا لن نسمح لغبار الحرب أن يطمس ألواننا، ولن نترك أزهارنا تستحيل رمادا؛ سننفض عن أرواحنا ركام الموت، وستشق براعمنا صدر الأرض المحروقة لتعلن الحياة من جديد.
إن شمسنا، وإن طال كسوفها، هي حتما أقوى من ظلامهم، وإن القادم من أيامنا سيشهد أن هذه السنوات العجاف ما كانت إلا مخاضا عسيرا لسنوات سمان، يغاث فيها الناس، ويعصرون أملا وحياة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

