- من حروب التحرير إلى حروب البقاء: أي تبدلات في معنى المقاومة وأي تحديات؟
منذ اندلاع الصراع العربي-الإسرائيلي، شكلت المقاومة إطارا سياسيا وعسكريا يرتبط بهدف واحد واضح: تحرير الأرض. لقد رسم التحرير عمليا، ومنذ الستينيات، المعنى التقليدي لمصطلح المقاومة (تحرير فلسطين، تحرير الجنوب، تحرير القدس). وكان الإطار الفكري لها حينها مرتكزا على يقين واضح: ثمة أرض محتلة، وشعب يسعى إلى استعادتها، وعدو يمكن ردعه أو إرغامه على الانسحاب.
في تلك المرحلة، امتاز المشروع السياسي بمحليته، وحملت فيه المقاومة رؤية تجعل الانسحاب الإسرائيلي أو ردع العدو عن إعادة احتلال ما انسحب منه هدفا قابلا للتحقيق.
بعدها، شيئا فشيئا، أخذت المعادلات في التغير؛ لم يعد العدو مجرد جيش يحتل أرضا محددة، بل ظل يتضخم باطراد ويتسع إلى منظومة كبرى تمتد من القوة العسكرية إلى الهيمنة الاقتصادية والسياسية والتكنولوجية. ولم تعد خطوط الاشتباك مقتصرة على حدود جغرافية فقط، بل باتت جزءا من صراع إقليمي ودولي تتداخل فيه القوى الكبرى وتتشابك مع التحولات الداخلية للدول.
بعد عملية طوفان الأقصى، وما تلاها من حرب إبادة في غزة، تغيرت ظروف الصراع بشكل جذري، سواء ما يتعلق بطبيعة الحرب التدميرية، أو حجم التهديد الوجودي، أو واقع حركات المقاومة، أو واقع "الأمة" العربية، أو الدور العربي والدولي.
لقد أفرز الطوفان انزياحا في طبيعة المقاومة من كونها من أجل التحرير، حيث وجود الشعب مسألة مفروغ منها في أرض تسعى إلى استردادها، إلى كونها مقاومة من أجل بقاء الشعب ومنع الإبادة وحفظ الوجود.
هو تحول بنيوي بطبيعته، من خلال ما استولدته إستراتيجية العدو وطبيعته المستجدة، والتي ظهر معها، وللمرة الأولى منذ النكبة عام 1948، تهديد حقيقي ضد الشعب الفلسطيني الغزي نفسه لا ضد الأرض، ثم مجددا ضد وجود الجنوبيين في لبنان في القرى الحدودية، أو في سبيل إجبارهم على النزوح منها، وتهديدهم هوياتيا، كما هو الواقع الآن.
غدا معنى التضحية مختلفا أيضا؛ فهي لم تعد تنتج تحريرا مباشرا، بل صارت أحيانا وسيلة لدرء كارثة أكبر. وتلك نقلة تجعل المقاومة أمام مسؤولية مزدوجة: أن تستمر في الفعل العسكري، وأن تحافظ في الوقت نفسه على نسيج مجتمعها المتعب والمنهك والمحاصر بالأزمات
الانتقال بالمقاومة، من حيث النوع لا من حيث الجوهر، له تبعاته البديهية على مستوى عملها، أهدافا ووسائل؛ ذلك أن صياغة جديدة لمعناها سيفرضها المشهد المتغير، والذي لا يعود معه مشروع المقاومة جغرافيا فقط. علما أن المقاومة، نظريا، ليست مفهوما ثابتا؛ هي ابنة اللحظة التاريخية التي تنشأ فيها، وتتغير مع تغير شكل الحرب وأدواتها، ومع تبدل بنية العدو وتحول المجتمع نفسه.
مع هذا التحول الجديد، أصبحت المقاومة مهددة ليس فقط في قدرتها على تحرير الأرض أو منع الاعتداءات، بل في بقائها كقوة، وفي بقاء جمهورها ومجتمعها ضمن معادلة آمنة.
لقد أضحت منوطة بأن تمنع الإبادة، وتحمي المجتمع الذي تستند إليه، وتحافظ على توازن رادع يمنع انهيار الجبهة الداخلية بالدرجة الأولى. وصار القرار المقاوم مرتبطا بشبكة معقدة من الحسابات الأخلاقية والسياسية والاجتماعية، إذ لم تعد الحرب، في كثير من الأحيان، طريقا إلى النصر، بل طريقا لتجنب الهزيمة الوجودية.
ويرتسم التباين العملي بين طوري المقاومة بسمات واضحة وملحوظة؛ فعندما يتعلق الأمر بمسألة جغرافية، ستعتمد المقاومة عندها بالأساس على النخبة، حيث المقاتل المتدرب هو العنصر المركزي، وستكون الجهود مكثفة لأجل العمليات الهجومية، حيث تختصر التكتيكات في كيفية مهاجمة العدو، وتدرس الإستراتيجيات لأجل كسر التفوق العسكري. في مثل هذا النوع، تغدو القيادة مركزية، ويثبت التركيز على العدو، كما تكون الوسائل عسكرية.
أما عندما تكون المسألة وجودية، إنسانية، فسيصبح المجتمع بأكمله مقاوما، وتتكثف الجهود لأجل حماية السكان والمنشآت والخدمات. وتختصر التكتيكات في كيفية منع الخصم من تدمير النسيج الاجتماعي، وتتركز الإستراتيجيات في كيفية استنزاف الإرادة الإبادية، بحيث تصبح الرؤية أكبر من مجرد حسابات عسكرية: كيف نمنع الانهيار الإنساني؟ كيف نحمي الناس من التهجير؟ كيف نبني بنى صامدة؟ كيف نواجه الحرب النفسية؟ كيف نجعل المجتمع يتكيف مع حرب طويلة الأمد؟ وفي مثل هذا النوع من المقاومة، لا تكون القيادة مركزية بل شبكية؛ التركيز يكون على الذات، والوسائل منوطة بكيفية تعزيز قدرة المجتمع على الحياة.
إثر هذا التباين، يمكن القول إن المعنى المستجد للمقاومة يعيد صياغة بعدها الأخلاقي دون أن يلغيه؛ ففي مرحلة التحرير، كان البعد الأخلاقي مستندا إلى عدالة القضية واستعادة الحق. أما اليوم، فقد صار مستندا إلى فكرة منع العدو من فرض شروط استسلام تنهي قدرة الناس على العيش الكريم.
وهكذا، غدا معنى التضحية مختلفا أيضا؛ فهي لم تعد تنتج تحريرا مباشرا، بل صارت أحيانا وسيلة لدرء كارثة أكبر. وتلك نقلة تجعل المقاومة أمام مسؤولية مزدوجة: أن تستمر في الفعل العسكري، وأن تحافظ في الوقت نفسه على نسيج مجتمعها المتعب والمنهك والمحاصر بالأزمات.
كانت الشرعية في مقاومة التحرير، نظريا، تلقائية وراسخة؛ لأنها ترفع عنوانا واضحا وذا جاذبية أخلاقية، ومع ذلك حاول كثيرون سحبها عبر ترسيخ مقولة "إن العين لا تقاوم المخرز"
وفي قلب كل هذا التحول، تبرز جبهة جديدة متمثلة بجبهة الوعي؛ إذ لم تعد المعركة تخاض بالمدفع وحده، بل بالصورة والكلمة والسردية، لأنه في زمن البقاء يصبح تمزيق الوعي جزءا من محاولة قتل المجتمع، ويصبح تثبيت الرواية جزءا من حماية الحياة.
لذلك، باتت الحرب النفسية جزءا من الحرب العسكرية، وصارت شرعية المقاومة تقاس أيضا بقدرتها على حماية المعنى، لا فقط بقدرتها على حماية الجغرافيا.
ثم، وفي قلب هذا التحول أيضا، تغير الزمن نفسه. لقد كان زمن التحرير قصيرا مكثفا، له بداية ونهاية؛ أما مع حروب البقاء فالزمن طويل مفتوح، يتطلب قدرة على إدارة الصبر، وضبط الإيقاع، وتجزئة الأهداف، وتحمل الخسائر دون الانكسار. هكذا، بات الزمن نفسه سلاحا واستحقاقا، وأحيانا عبئا، ما يفرض شكلا جديدا من القيادة ومن إدارة المجتمع.
إن تغير نوع المقاومة يخلق جملة من الإشكالات البنيوية التي تعيد طرح الأسئلة حول طرق عمل المقاومات من الداخل. وإذا كان أول هذه الإشكاليات يتعلق بأزمة المعنى نفسه، وإعادة تشكيل وعي جديد للمقاوم ودوره غير المرتبط بالحدود، بل بالحياة، فإن من شأن هذه الأزمة أن تولد، بطبيعة الحال، إشكالا آخر شديد الحساسية يتعلق بالشرعية.
كانت الشرعية في مقاومة التحرير، نظريا، تلقائية وراسخة؛ لأنها ترفع عنوانا واضحا وذا جاذبية أخلاقية، ومع ذلك حاول كثيرون سحبها عبر ترسيخ مقولة "إن العين لا تقاوم المخرز".
أما شرعية مقاومة البقاء، فتبدو أكثر هشاشة أو أقل مناعة أمام المناوئين خيار المقاومة، لأنها تقوم على قرارات تحتسب فيها الكلفة والجدوى، وقد يشعر قسم من المجتمع أن ثمن البقاء بات يفوق قدرته على الاحتمال. وهنا قد تنشأ فجوة بين المقاومة ومحيطها، لا لأن مشروعها ظالم، بل لأن الواقع ضاغط إلى حد يربك الناس في تقييمهم للأثمان.
يتفرع عن ذلك إشكال ثالث يزيد المشهد تعقيدا، ويتعلق بالكلفة الاجتماعية للحرب الطويلة أو للاستنزاف الطويل؛ فعندما يتحول المجتمع نفسه إلى خط دفاع أول، تصبح الخسائر جزءا من معادلة الردع، ويغدو الحفاظ على تماسك الناس مهمة مركزية. وفي هذا السياق، ترتفع حساسية النقاش الأخلاقي: كيف يمكن لمقاومة تسعى إلى صون المجتمع وضمان بقائه أن تطلب منه، في الوقت نفسه، تحمل تبعات قد لا يقدر عليها، ولا ينتج عنها بقاؤه؟
أخطر مآلات التحولات المستجدة يرتبط بأزمة الأفق: ما هو أفق مقاومة البقاء؟ أيمكن أن تعود إلى مشروع تحرير، أم ستظل معلقة بين منع الإبادة ومنع الاستسلام؟
ثم تتعمق هذه الإشكالات مع دخول المدنيين في صلب مركز المعركة؛ ففي حروب التحرير كان المدنيون غالبا خارج الاستهداف المباشر، لكن في حروب الإبادة سيصبحون الهدف الأول.
وربما أخطر ما أنتجه الانتقال إلى حروب البقاء هو أن العدو نفسه بات يدرك أن هدف المقاومة لم يعد تحقيق نصر عسكري مباشر، بل منع الهزيمة.
وهذا ما يدفعه إلى محاولة العمل على كسر إرادة المجتمعات عبر استهداف المدنيين والبنى التحتية، وزيادة الكلفة الاجتماعية، وكذلك تقوية الخصوم السياسيين لأجل سحب الشرعية من المقاومة، لأن الإجهاز على البيئة الحاضنة لها، وإثارة الشكوك حول شرعية وجودها، أصبح في كثير من الأحيان أكثر فاعلية من المواجهة العسكرية التقليدية.
تبرز بالتوازي هنا حدود القوة كتحدٍ مركزي جديد للمقاومة؛ فهي، رغم قدراتها، ليست دولة مكتملة، وتعمل تحت حصار اقتصادي ومالي وتقني وسياسي، وهذا يكبل قدرتها على المواجهة بشكل غير مسبوق، ويجعل التناقض بين طموحاتها وإمكاناتها كبيرا، ويضع مقاومة البقاء، إن صح التعبير، أمام تحدي تثبيت السلم الأهلي إلى جانب تثبيت خطوط النار.
ولعل أخطر مآلات التحولات المستجدة يرتبط بأزمة الأفق: ما هو أفق مقاومة البقاء؟ أيمكن أن تعود إلى مشروع تحرير، أم ستظل معلقة بين منع الإبادة ومنع الاستسلام؟ وهل الاستمرار في هذا النمط يراكم القوة أم يستهلكها؟ وهل يمكن للمجتمع أن يصمد عقودا في صراع مفتوح كهذا؟
لقد دخلت المقاومة، رغم ثبات جوهرها، طورا تاريخيا جديدا يتطلب إعادة تعريف مستمرة لمعناها ودورها وأدواتها، وعلاقتها بالمجتمع، وعلاقتها بالعالم. فالمقاومة اليوم باتت مشروعا يكتب فيه الناس تاريخهم وهم يقاتلون ليبقوا، لا لينتصروا وحسب. وعليه، ليس الانتقال من مقاومة التحرير إلى مقاومة البقاء سقوطا ولا هزيمة، بل إعادة تعريف لطبيعة الصراع نفسه.
وفي عالم يتجه أكثر فأكثر نحو حروب الإبادة البطيئة والمضمرة، قد لا تكون هذه الصيغة استثناء، بل القاعدة الجديدة لمعنى المقاومة في زمن بلا قواعد.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

