- حين نطقت المخلوقات بالحكمة
يقدم لنا القرآن الكريم في قصص الأنبياء والأولياء مجموعة من الحيوانات التي لعبت دورا في التاريخ؛ وليس قصد القرآن مجرد ذكر قصص الحيوانات، بل إن القصص القرآني يحمل رسائل تربوية وأخلاقية، والناس بطبيعتهم يميلون إلى سماع القصص مهما كان مستواهم الفكري أو الثقافي، ولذلك يستخدم القرآن هذا الأسلوب لجذب الانتباه، ثم يوجه القارئ إلى التركيز على العبرة من القصة، حتى يتعظ بها المؤمن ويطبقها في حياته.
والذي لا شك فيه أن هذه الحيوانات التي تذكر في القرآن ما ذكرت إلا لحكم جليلة وفوائد عظيمة؛ فليس في نصوص الوحي حشو أو كلام لا فائدة فيه.
تتميز سورة النمل بذكر الحيوانين الصغيرين في الحجم، الكبيرين في العبر؛ وهما النمل والهدهد. وقصتهما مع سليمان (عليه السلام) تسلط الضوء على أهمية تحسين سلوك الإنسان مع الآخر.
افتتحت سورة النمل قصة سليمان بذكر نعم جليلة أنعم الله بها عليه بقوله: {وورث سليمان داود وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء إن هذا لهو الفضل المبين}.. منح الله النبي سليمان قدرة عجيبة على إدراك لغاتهم.
لما حذرت النملة قومها من تحطيم سليمان لهم، أضافت قولها: "وهم لا يشعرون"! هنا نملة تعذر الإنسان بأن ما قد يقع منه إنما هو بغير قصد، لا بالظلم المتعمد
المؤمن كجسد واحد
لما حشر سليمان جنوده وأتوا على وادي النمل، سمع كلام النملة وهي تنادي: {يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون}.. لقد عبرت هذه النملة عن أرقى صور المسؤولية الجماعية؛ فالنملة تهتم بالنمل الآخر عند نزول الخطر، وهي لم تحاول أن تفر وحدها، إذ ترى أن المصيبة إذا أصابت فردا فكأنها أصابت جماعة بأسرها.
هكذا يكون شأن المؤمن، كما ورد في الحديث: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضهم بعضا، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى".. إنها رسالة خالدة في أن وحدة الصف، وتكافل القلوب، والتضامن عند الشدائد من سمات الإيمان الحق، ومن أسرار القوة والبقاء.
إننا نعيش في أرض يجوع فيها إخواننا المسلمون في فلسطين وفي غيرها، وتغرق المجازر أرض الزيتون بدماء الأبرياء، ونحن نجوع ونعطش معهم وإن كنا في أرض فيها راحة وسلامة؛ لأن قلوبنا معلقة بمن لا يجد قوت يومه، وبأطفال لا يعرفون بأي ذنب قتلوا.
لا بد لنا أن ننهض بواجبنا ونمد يد العون قدر المستطاع لإخواننا في أرض فلسطين، مستخدمين أهم سلاح نملكه وهو الدعاء أولا، وثانيا أن نرفع أصواتنا عالية ضد هذه المظالم، ونكسر جدار الصمت، ونجلب انتباه العالم تجاه قضية فلسطين.. فلسطين ليست مجرد قضية حدود، بل هي جرح الأمة، ومحراب الكرامة، وميزان يختبر به التاريخ الضمير الإنساني.
التمسوا العذر لأخيكم
لما حذرت النملة قومها من تحطيم سليمان لهم، أضافت قولها: "وهم لا يشعرون"! هنا نملة تعذر الإنسان بأن ما قد يقع منه إنما هو بغير قصد، لا بالظلم المتعمد. هكذا تعلمنا النملة أن نفتح باب العذر قبل أن نفتح باب اللوم، وأن نرى وجه الرحمة قبل أن نستسلم لتيارات الغضب؛ فكم من كلمة جرحت، أو يد ظلمت، أو موقف أساء، ولكن وراء ذلك نفس لم تشعر أو قلب لم يقصد.
قال محمد بن سيرين: "إذا بلغك عن أخيك شيء تكرهه فالتمس له عذرا، فإن لم تجد له عذرا فقل: لعل له عذرا لا أعلمه"! وإذا اتصف المرء بهذه الخلة عاش بسلامة القلب بعيدا عن الغضب، مقبلا على الناس بوجه طلق، ولو صدر منهم ما يكره. وقال عمر بن الخطاب: "لا تظن بكلمة خرجت من أخيك المؤمن شرا، وأنت تجد لها في الخير محملا".
إنها مدرسة النملة، فيها حكم تعيد للقلوب صفاءها، وللأرواح نورها.
انظر إلى مجتمعاتنا اليوم كيف تبنى الموازين فيها على المال والجاه، فيقدم صاحب الثروة، بينما يزاح الفقراء والضعفاء إلى هوامش الحياة، مع أنهم في الحقيقة الأحق بالاهتمام والرعاية
الاهتمام بالصغير دليل على عظمة الكبير
يحدثنا القرآن عن مشهد سليمان (عليه السلام) إذ نزل يوما بفلاة من الأرض، فتفقد الطير ليرى الهدهد فلم يره. عبر عن ذلك القرآن بقوله: {وتفقد الطير فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين}.. وجنود سليمان (عليه السلام) فيهم الإنسان القوي، وفيهم الجن شديدو البأس.
هنا، الملك سليمان يبحث عن الطير الصغير، وقد يراه الناس حقيرا لا يلتفت إليه عادة! هذا يدل على اهتمام سليمان (عليه السلام) بجميع رعاياه. قال الإمام القرطبي: "في هذه الآية دليل على تفقد الإمام أحوال رعيته والمحافظة عليهم؛ فانظر إلى الهدهد مع صغره كيف لم يخف على سليمان حاله، فكيف بعظام الملك؟ ويرحم الله عمر (رضي الله عنه)، ففي سيرته أنه قال: لو أن سخلة على شاطئ الفرات أخذها الذئب لسئل عنها عمر".
نقرأ في سيرة النبي (صلى الله عليه وسلم) مواقف تشهد بسمو روحه وعظمة خلقه، وشدة اهتمامه بكل إنسان مهما كان مستواه في المجتمع؛ لا يفرق بين عظيم وصغير، ولا بين غني وفقير، بل ينزل كل إنسان منزلته بقدر ما له من كرامة إنسانية.
كانت في المدينة امرأة سوداء تنظف مسجد النبي (صلى الله عليه وسلم)، فماتت ليلا، فأخفوا خبر وفاتها، فلما علم النبي (صلى الله عليه وسلم) بموتها قال: "أفلا كنتم آذنتموني"! ومضى إلى قبرها فصلى عليها، ثم قال: "إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم".
انظر إلى مجتمعاتنا اليوم كيف تبنى الموازين فيها على المال والجاه، فيقدم صاحب الثروة، بينما يزاح الفقراء والضعفاء إلى هوامش الحياة، مع أنهم في الحقيقة الأحق بالاهتمام والرعاية. لذلك قال النبي (صلى الله عليه وسلم): "ابغوني الضعفاء فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم". فيا لها من كلمة تجعل الفقير ركنا من أركان النصر، وسرا من أسرار الرزق.
بين لنا القرآن الكريم من خلال هذه القصة أن التفكر في خلق الله طريق لمعرفة عظمة الخالق وحسن تدبيره. فلنكن مثل النمل في نشاطه، ومثل الهدهد في بصيرته
الحكمة لا تقاس بالكبر
عاد الهدهد إلى سليمان (عليه السلام) حاملا بين جناحيه خبرا يقينا، وقال: "أحطت بما لم تحط به، وجئتك من سبأ بنبأ يقين".. طائر صغير، لكنه أدرك ما غاب عن ملك عظيم، ليكشف أن ما قد يعجز عنه القوي قد يؤتى للضعيف. قال الإمام البقاعي: "في هذه المكافحة التنبيه على أن أضعف الخلق قد يؤتى ما لا يصل إليه أقواهم، لتتحاقر إلى العلماء علومهم، ويردوا العلم في كل شيء إلى الله".
سأل عمر (رضي الله عنه) الصحابة عن تفسير سورة النصر، فلم يجب أحد من كبار الصحابة، وأجاب الفتى ابن عباس بأنها نعي لرسول الله (صلى الله عليه وسلم). ورأينا الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) قد سأل عن الشجرة لا يسقط ورقها وهي مثال المؤمن، فعجز عنها الكبير، وأصابها ابن عمر وهو غلام. ليس الصغر ضعفا، ولا الكبر ضمانا للمعرفة.. إن الله يؤتي الحكمة من يشاء، ليعلم الإنسان أن فوق كل ذي علم عليم، وهو الله سبحانه وتعالى.
تعلمنا من سورة النمل أن الحكمة ليست حكرا على الكبار، بل قد تتجلى في أبسط المخلوقات؛ فقد بين لنا القرآن الكريم من خلال هذه القصة أن التفكر في خلق الله طريق لمعرفة عظمة الخالق وحسن تدبيره. فلنكن مثل النمل في نشاطه، ومثل الهدهد في بصيرته.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

