- كأس العرب.. حينما تمنحنا الرياضة عالما
تنطلق فعاليات كأس العرب في قطر 2025، أمام سطوة ثقافة الاستهلاك والرفاهية المضطربة، إذ يقتنص الإنسان بعضا من وقته لممارسة الرياضة.
وتبدو اللحظات التي يحاول فيها ترويض جسده على الليونة والنشاط والتألق شيئا يسيرا وسهلا، لكن ثمة واقعا مثخنا يفتقر إلى الخطوة الأولى للعب كرة القدم، أو الدخول إلى قاعة كمال الأجسام، أو الذهاب إلى فضاءات مفتوحة لممارسة رياضة الكاليستينغ، حيث تقترن رغبة الإنسان في الحفاظ على صحته وسلامته بحلم الأبدية.
وحينما يتعلق الأمر بخوض تجارب تحدٍ وإثارة في ملاعب كرة القدم، تأتي الرياضة تعبيرا لا عن حالة الفردانية ضد الجماعة، ولا هي ابتكار فني يضفي شيئا من الخصوصية على الذات الرياضية، ولا يحتج روادها بأنهم يملكون عالما مغايرا تماما عمن اجتاحته دهون الأكلات السريعة. فما الذي يمنع غير الرياضيين من أن يكونوا جزءا من «لحظات استثنائية» تميزهم عن المجتمعات السائدة؟
وحينما يعود الإنسان إلى ما هو طبيعي وأصلاني، فإنه بالضرورة رياضي يسعى في بحثه عن الخلاص من اغترابه الموحش، في زمن تراكمت فيه ضغوط العمل والعائلة والفراغ القاتل.
ومن أجل ذلك، يقارب المقال الرياضة كونها عالما خصبا، وثقافة تحتكم إلى برنامج مكثف من الانضباط والتركيز لاستعادة خصوصية الإنسان، انطلاقا من عالم يتعرف فيه على ذاته. فالرياضة ليست إنهاكا وتوريطا للجسد، بقدر ما تصوغ أجوبة لأسئلة تتعلق بالهوية والحياة والحرية، حيث يعد الألم صراعا مع الذات لا الجسد، لنيل السلام الأبدي.
ما بين المبتدئين والمحترفين، رياضيون يقفون بين عالمين متناقضين، يحاولون كسب بعض الوقت من مشاغلهم اليومية ليصرفوه في رفع الأثقال أو كرة القدم
المستلبون ثلاثة
بمجرد اختيارك أن تكون رياضيا، فأنت ملزم نوعا ما ببرنامج مكثف من التدريب، أي أن تمنح حياتك هوية تليق بها غير تلك التي اعتدت أن تعيشها طيلة سنوات الملل.
فالرياضة لا تتعلق بإنهاك الجسد، أو الركض المستمر خلف المنافسة ضد صديق في صالة كمال الأجسام، وليست سباقا نحو نهاية الطريق على متن دراجتك الهوائية. إنها تواصل بين هويات جمعها شغف التحدي والإثارة، أي إنها «فضاء تواصلي» بين ذوات مختلفة كليا، ومتناقضة في كثير من الأحيان، أنتجت مجتمعا يؤسس لمبادئه الاستثنائية.
ثمة ثلاثة مجتمعات مهمة ستجدها عند ممارستك الرياضة، تجعلك إنسانا متميزا عن أولئك الذين انحازوا لأن يكونوا في سلسلة الاستهلاك المفرط. يسمى المجتمع الأول «المبتدئين»، وهم الذين يستقبلون عالما مبهما وغريبا عنهم بكثير من العبث، والرغبة الجامحة في الحصول على جسم متكامل ومستجيب لرغبات الآخرين بسرعة.
ومن السهل معرفة مجتمع المبتدئين الرياضيين عبر ثرثرتهم المتواصلة، وتقليدهم المفرط لمشاهير الميديا، فهم يحتكمون إلى برنامج بسيط في مجموعات، أغلبها روابط صداقة رسمت أهدافا متباينة، كإنقاص الوزن، أو الانشغال بالرياضة بدل الجلوس في الطرقات، أو الحصول على جسد محترف.
ويمثل هؤلاء الفئة الأكثر بين الرياضيين، إذ هم عصب التدفقات المالية للمستثمرين. وفي رياضة كمال الأجسام، كما في ركوب الدراجات والسباحة مثلا، لا يخضع المبتدئون لتعليمات صارمة من طرف المدربين.
أما «مجتمع المحترفين»، فإن عالمهم الخاص لا يتكشف إلا عبر صرخاتهم أحيانا، واستحواذهم على المكان بأجسامهم الضخمة وأصواتهم المتعجرفة، فهم يرون أنفسهم نخبة عالم يكرس التمييز والخنوع والاحتقار.
وما بين المبتدئين والمحترفين، رياضيون يقفون بين عالمين متناقضين، يحاولون كسب بعض الوقت من مشاغلهم اليومية ليصرفوه في رفع الأثقال أو كرة القدم.
إنه «مجتمع المؤهلين» الصامت، إذ يمتلكون حسا جماليا، وذوقا تنافسيا، وقبولا جسمانيا. لا تهمهم الأوزان الثقيلة ولا المسافات الطويلة، بقدر ما يرصدون لحظات المتعة والتقارب عند ممارسة الأنشطة البدنية. ولا يزيدون عن مثنى، فلقاؤهم بالكاد يختصر الزمان في ساعة تحبس فيها الأنفاس وتقل العبارات.
ندرك جيدا أن الرياضة تمنحنا صورة التحدي لعالم تجتاحه المعاناة، وتتهافت عليه الصراعات بشتى أنواع الألم قسوة على الإنسان. إنها تعيد الذاكرة إلى طبيعتها، وتعتقها من منافيها وغربتها، لتخرجنا من حياة يهيمن عليها تاريخ ماضوي
برنامج مكثف
ما يجمع الرياضيين هو التحدي والمنافسة، والبحث عن قبول جسماني بشتى أنواع البرامج الصارمة، كما تعبر عنها كأس العرب 2025 في دولة قطر. غير أن هذا الفضاء الثالث الذي ندعوه رياضة، بوصفه عالما جامعا لذوات مختلفة، يفتح نوافذ تسمح لها بالاقتراب من بعضها، ليصبح مكانا لا ترسمه حدود قاعات التدريب ولا الملاعب فحسب، بل لحظات مفعمة بذاكرة تتخلص من المحظور، حينما تدرك يقينا أن الرياضة خلاص من تجاربها.
تقر الرياضة بعنوانين مهمين: الأول برنامج التدريب، والثاني صديق يساعد في كسب رهان التحدي المستمر. فالبرنامج الرياضي يستجيب لطبيعة المتدربين، ويخضع في غالب الأمر إلى الاتفاق المبرم بين رفاق التحدي. وهنا تتضح مكانة صديق الرياضة وطبيعته، ومدى تمايز الرياضيين فيما بينهم.
فأن يكون هناك رفيق تقطع معه المسافات البعيدة عبر دراجتك الهوائية، أو يشير عليك بلعب «الديبس» بتكرارات عديدة، أمر يكاد يصعب تحقيقه واستمراريته، إن وجد، بسبب الانقياد لصور المحترفين. فكثير من الرياضيين يقلدون المشاهير الذين عبروا مراحل الاستشفاء العضلي نحو مخاطر الاستخدام المميت للمنشطات.
ندرك جيدا أن الرياضة تمنحنا صورة التحدي لعالم تجتاحه المعاناة، وتتهافت عليه الصراعات بشتى أنواع الألم قسوة على الإنسان. إنها تعيد الذاكرة إلى طبيعتها، وتعتقها من منافيها وغربتها، لتخرجنا من حياة يهيمن عليها تاريخ ماضوي، نحو حضور فاعل ومتعدد لذات تتواصل على حقيقتها مع الآخرين.
من الضروري ممارسة الرياضة بشغف وحب وانتظام، لا كمهمة اقتضتها حالة الجسد الصحية أو توصيات طبية
ولا تحتاج لأن تكون إمبراطورا في كمال الأجسام كأرنولد شوارزنيجر، ولا قيصرا في ركوب الدراجات مثل لانس أرمسترونغ. فبالكاد تكون لحظات التحدي القصيرة تلك أماكن مأهولة لذاكرة عنوانها أنت.
قد يكون صديق الرياضة ظل ذات مهووسة باستعادة فاعليتها وتحديها. فهو، وإن اختلف عنها في بعض اهتماماته، أقرب في تفاعله وتواصله. ولا ينحصر حضوره في لحظات تبادل رفع الأثقال، بل في وعيه بأن صديق الرياضة تعبير عن ذواتنا، ورغباتنا في المزيد من الحضور، لا الاهتمام المبالغ به شكلا.
فتبادل الحديث عن النظام الغذائي، ومناقشة التمارين والتدريبات، يفتحان نوافذ التخلي عن الذاتية المفرطة، نحو تقارب يجعل من الرياضة لغة تواصلية معبرة عن الألم والسعادة معا.
ومن الضروري ممارسة الرياضة بشغف وحب وانتظام، لا كمهمة اقتضتها حالة الجسد الصحية أو توصيات طبية. فقد نجحت النساء وذوو الاحتياجات الخاصة في ولوج عالم مليء بالإثارة لاستعادة ذواتهم وحضورهم الإنساني. ولا توجد عقبة تمنعهم من ممارسة نشاط بدني يتيح لهم متنفسا واستكشافا لذواتهم المستلبة والمستهلكة، إلا أن يكونوا جزءا من معضلة الإنسان في تخليه عن الحياة.
فمتى ندرك أن الرياضة استعادة لذواتنا، وذاكرتنا، وهويتنا؟
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

