- شباب موريتانيا في صلب المبادرة القطرية: بين التكوين والاعتماد على الذات
في خضم البحث عن حلول حقيقية لأزمة البطالة لدى الشباب الموريتاني، برزت مبادرات قطر الخيرية (QC) شريكا فاعلا عبر التأهيل المهني، وتجهيز أدوات الإنتاج، وإطلاق مشاريع واقعية تعيد للشباب دورهم الطبيعي في البناء والتنمية. ولا ينحصر هذا التحرك في دعم أفراد أو تمويل مبادرات صغيرة، بل يتجاوز ذلك إلى صياغة رؤية تنموية جديدة تتعامل مع الشباب بوصفهم طاقة إنتاجية لا يمكن تجاهلها، وشريكا لا مجرد مستفيد.
على غرار «مشغل خياطة»، توسعت المبادرات لتشمل الصناعات الجلدية، وتصنيع منتجات البناء، وإنشاء سوق تضامني يمكن المستفيدين من عرض منتجاتهم في بيئة اقتصادية منظمة
شراكة إستراتيجية: تكوين مهني وتمكين اقتصادي
في مطلع 2025، وقعت قطر الخيرية اتفاقية تعاون موسعة مع وزارة التكوين المهني والصناعة التقليدية والحرف الموريتانية، بهدف خلق مسارات جديدة للشباب نحو سوق العمل. وهي مسارات تستند إلى التكوين التقني والمهني بدلا من انتظار وظائف حكومية محدودة.
وجاءت هذه الشراكة لتسد فجوة طالما أثقلت كاهل الشباب، وهي فجوة الانتقال من «التكوين» إلى «العمل»، ولتفتح الباب أمام مشاريع مدرة للدخل، يمكن للشباب من خلالها بناء استقلال اقتصادي حقيقي.
من شهادة إلى كسب: مشاريع تمنح الشباب هوية مهنية
أحد المشاريع اللافتة كان افتتاح «مشغل خياطة» في نواكشوط، صمم ليستقبل خريجي التكوين المهني ممن يمتلكون مهارة حقيقية، لكنهم افتقدوا المعدات ورأس المال والسوق. ولم يكن هذا المشغل مجرد ورشة صغيرة، بل منصة إنتاجية مشتركة تتيح للشباب العمل ضمن بيئة مهنية، وتوفر لهم شبكة تسويق جماعية، وتمنحهم القدرة على المنافسة.
وعلى غرار هذا المشروع، توسعت المبادرات لتشمل الصناعات الجلدية، وتصنيع منتجات البناء، وإنشاء سوق تضامني يمكن المستفيدين من عرض منتجاتهم في بيئة اقتصادية منظمة. وهو ما يرفع من مستوى الوعي الاقتصادي لدى الشباب، ويمنحهم ثقة أكبر بقدرتهم على بناء مستقبلهم عبر العمل الحر والمشروعات الصغيرة.
اليوم، يجد الشباب أنفسهم أمام خيارات جديدة تحميهم من الهجرة غير المنظمة، وتسهم في استقرار المجتمعات المحلية، وتخلق اقتصادا شعبيا متعدد المصادر
بعد اجتماعي: تمكين النساء والشابات كجزء من بناء مجتمع متوازن
تهتم المبادرات القطرية أيضا بتمكين النساء، ولا سيما الشابات الموريتانيات، عبر برامج اقتصادية تمنحهن الأدوات التي يحتجنها للبدء في مشاريعهن الخاصة. ومن أبرز هذه البرامج توزيع 150 ماكينة خياطة على خريجات مراكز تمكين المرأة، مما يسمح لهن بتحويل مهارتهن إلى مصدر دخل مستقر.
ويعزز ذلك استقلاليتهن الاقتصادية، ويقوي بنية الأسرة الموريتانية عبر منح المرأة قدرة أكبر على المساهمة في اقتصاد المنزل. ولا يقتصر هذا النوع من التمكين على الفائدة الفردية، بل يعيد تشكيل البنية الاجتماعية من خلال خلق جيل من النساء القادرات على الإنتاج والتنظيم والإدارة.
لماذا يكتسب التركيز على الشباب قيمة إستراتيجية اليوم؟
تأتي أهمية الاستثمار في الشباب الموريتاني من واقع ديمغرافي واجتماعي واقتصادي مركب. فبلد تتجاوز نسبة الشباب فيه نصف السكان، ويواجه تحديات بنيوية في سوق العمل، يحتاج إلى مشاريع تحول الطاقات إلى إنتاج.
وتسهم المبادرات القطرية في سد فجوة «الفرصة»، إذ إن مخرجات التكوين المهني في موريتانيا كبيرة من حيث المهارة، في مجالات مثل الخياطة، والجلود، والحرف التقليدية، والبناء، والنجارة. غير أن هذه المهارات كانت غالبا بلا أدوات، وبلا سوق، وبلا منظومة إنتاجية تسمح بالاعتماد عليها كمورد رزق حقيقي.
واليوم، يجد الشباب أنفسهم أمام خيارات جديدة تحميهم من الهجرة غير المنظمة، وتسهم في استقرار المجتمعات المحلية، وتخلق اقتصادا شعبيا متعدد المصادر. ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية ثقافة العمل الحر، التي أصبحت ضرورة في عصر لا يكفي فيه انتظار وظيفة حكومية، ولا يستقيم فيه الاعتماد الدائم على المساعدات.
إذا تضافرت الجهود بين الفاعلين، من الحكومة والمجتمع المدني والمؤسسات الاقتصادية والجهات الداعمة، فإن هذه المشاريع يمكن أن تتحول إلى نماذج اقتصادية متينة تسهم في خفض البطالة، ورفع الإنتاجية
حدود التمكين والتحديات التي ينبغي التعامل معها
ورغم ما تحقق، تظل الاستدامة شرطا أساسيا لنجاح أي مبادرة تنموية. فالمشاريع الشبابية تحتاج إلى سوق فعال قادر على امتصاص الإنتاج، وإلى منظومة تدريب إداري وتسويقي تجعل الشاب لا يجيد الحرفة فقط، بل يعرف كيف يحولها إلى مشروع مربح.
كما أن انتقال هذه المشاريع تدريجيا إلى ملكية محلية، سواء تعاونية أو شركات شبابية أو مؤسسات صغيرة، يعد أمرا ضروريا لضمان استمرارها بعد انتهاء الدعم الأولي. ويضاف إلى ذلك ضرورة مواءمة المبادرات مع البنية المؤسسية الوطنية، حتى لا تتعطل المشاريع بسبب ضعف التنسيق أو البيروقراطية.
أما على مستوى البيئة الاقتصادية، فإن حوافز السوق المحلية، والتسهيلات الضريبية، وإتاحة الفرص في المشتريات العمومية، كلها عوامل ينبغي أخذها في الاعتبار لضمان مستقبل هذه المشاريع.
الاستثمار في الشباب ليس خيارا ثانويا، بل إستراتيجية وطنية
إن المبادرات القطرية الموجهة للشباب في موريتانيا لا تمثل عملا خيريا بالمعنى التقليدي، بل تؤسس لتحول تنموي يقوم على أربع ركائز: التكوين، والإنتاج، والتسويق، والاستدامة.
وإذا تضافرت الجهود بين الفاعلين، من الحكومة والمجتمع المدني والمؤسسات الاقتصادية والجهات الداعمة، فإن هذه المشاريع يمكن أن تتحول إلى نماذج اقتصادية متينة تسهم في خفض البطالة، ورفع الإنتاجية، وتعزيز التنوع الاقتصادي، وتثبيت الشباب في وطنهم عبر منحهم القدرة على بناء مستقبلهم بأيديهم.
فالطاقات الشابة ليست عبئا على المجتمع، بل رأسمالا حقيقيا يحتاج إلى توجيه واستثمار، والمبادرات القائمة اليوم تفتح الباب أمام جيل قادر على صناعة واقعه بدل انتظار تغيره.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

