غزة.. سردية حياة تحت الحصار والقصف

أطفال ينتظرون وجبة البقاء ... مشهد يلخّص الحاجة الملحّة للدعم الإنساني في غزة (الجزيرة)
أطفال غزة ينتظرون وجبة البقاء.. مشهد يلخّص الحاجة الملحّة للدعم الإنساني (الجزيرة)
  • غزة.. سردية لحياة أخرى

ليس من السهل ألا تتألم وأنت ترى قطعة صغيرة من العالم تنزف دما كل يوم، يخترق سكين غادر جسدها دون موعد، يفرغ غضبه في بطنها ثم ينسل ليعود غدا وبعد غد، كأمس وأول أمس؛ كنص مكرر لا يفقه نسقه وسياقه إلا إنسان لا يزال على قيد الحياة، يحتفظ بنبض قلبه، يطلق دموعه الحارة إلى العراء سخية، يشير ببنانه إلى موضع الألم: غزة.

أيها الكاتب الإنسان، آن لك أن تسمع تفاصيل الحكاية من الحجارة وكل الصوامت؛ فستلقي عليك ظلالا وتخط في عالمك الإبداعي سردية جديدة تسير على خطوطها العريضة، مؤمنا بالحق مصدقا به، مدحضا سردية فرضت عليك من غالب احتل عقلك وفكرك زمنا طويلا، فكنت من الواهنين الواهمين.

في تلك الأرض المحاصرة، ظلما وعدوانا، عباد يحبون الحياة، يعيشون تفاصيلها كأنهم الخالدون، يدافعون عن أرضهم الطيبة بكل وسيلة بين أيديهم، موقنين بأنهم منتصرون في نهاية الطريق، وأنهم الباقون؛ أما رأيت كيف يفرحون في أعراسهم تحت صوت القنابل والطائرات التي سكنت سماءهم، يرقصون ساخرين من هذا العالم الذي لم يفقه تعريف الزمان والمكان؛ فساعاتهم ودقائقهم طويلة لا يدرك معانيها أحد غيرهم؛ فالحياة شعور بها، والأرض بساط كبير ممتد لا حدود له.

في ليلة وحيدة يزرع الله في رحم العروس بطلا يرفع الراية من جديد، يجمع أبناء الأرحام الأخرى ليواصل المسير؛ انظر إلى ذلك الطالب المفاخر بعلومه وهو يناقش رسالته تحت خيمة مقطعة، تعبث بها الريح العاتية كما تعبث بكلماته أمام الحاضرين الذين ابتسموا في وجهه المتطلع إلى غد مشرق بين رماد شوه وجه المدينة.

في المجموعة القصصية الأخيرة الموسومة بـ"غزة مهد القيامة"، صرخت بعشر قصص خرجت من صدري، شاكيا إلى الله ضعف الذين أحرقوا في أخاديد من نار ذات وقود، شهدت صورها عيني الباكية

لي تجربة طويلة في الكتابة عن فلسطين، ملهمتي، وغزة التي فتحت جرحا عميقا في نفسي؛ تسكنه نفوس هؤلاء المظلومين أمام عالم يدعي حقوق الإنسان، ويسن لها قوانين، وينادي بها في المحافل الدولية.

إعلان

لم يكن من سبيل غير إبداعاتي القصصية المقتبسة من وجوه هؤلاء المسحوقين الصابرين تحت رماد النسيان؛ ففي مجموعتي القصصية الموسومة بـ: "المسافة صفر.." حملت رسائل إلى كل ذي قلب حي، في قصص قصيرة جدا، مختزلة مختصرة، تحمل معاني كبيرة وآثارا لا تمحى؛ هذه ثلاث قصص منها:

"جاثوم"

"أيقظتنا صرخة طفل هزت كهفنا..
سألتهم: كم لبثنا؟
لم يجبني أحد، الكل ينظر إلى الباب في ذهول؛
لا تزال الدبابة هناك..".

"مباغتة"

"اسود وجه الفضاء، لم يتعرف على الطائرة الورقية، صارت تقذف نارا..
بينما هو يجري خلف خيطها ليقبضه، سكنت المدينة حطامها..".

"رواية"

"بعد أن دققنا جدران الخزان الملتهب..
استقبلنا الموت بشجاعة..
بعد قتل الروائي، خرجنا أحياء من نصه؛
شربنا ما بقي من الحبر..".

أما في المجموعة القصصية الأخيرة الموسومة بـ"غزة مهد القيامة"، فإني صرخت بعشر قصص خرجت من صدري، شاكيا إلى الله ضعف الذين أحرقوا في أخاديد من نار ذات وقود، شهدت صورها عيني الباكية؛ هذه واحدة منها:

يمكنك أن تقتبس نصك من وجوه هؤلاء. قد يتهمك المستلبون بأنك كاتب خيال علمي، تقفز بقلمك بين الكواكب المجهولة، تصطحب أشخاصا غير آدميين لا تنبض قلوبهم مثلنا، أو أنك عجائبي بعيد عن الواقع، تزرع شكا في نفس قارئ يتخطفه الذهول

"فصل من الذاكرة"

"يسافر بعيدا في قطاره المتهالك. يخرج رأسه من إحدى نوافذه، ينظر إلى بدايته الضاربة في المجهول، ثم إلى نهايته المغروسة في الذاكرة. ترافقه الأشجار في طريقه الطويل، تعيد صورتها في كل مرة، تعبث بها الريح، لا تحترم زيتونها وبرتقالها، لا توقر انكسارها، وهي تتعرى لتغتسل من خذلان الأقربين يوم سلبت الأرض على حين غرة.

ليس صعبا أن تفقه صوره وهو يرسمها بالفحم مغمض العينين، دون أن ينسى عددها وترتيبها قرب النافذة التي لم يغلقها يوما؛ لا يشعر بالبرد والحر في المكان المكتظ بالمتناقضات؛ الحقيقة مؤلمة، والمجاز قاتل، والناس حوله يحملون جراحات وآلاما في سفرهم المتعب، ولا أحد يستعد للنزول ليقرأ أخبارا على جريدة قديمة، يحاول صحفيوها أن يكونوا أكثر حداثة في عباراتهم، لم تبدل عناوينها العريضة ولا تفاصيلها ذات المثلث المقلوب.

لم يفكر يوما كيف هي المحطة ولا كرسي الانتظار، ومن هم المنتظرون؛ في نفسه الثائرة فراغ لا حدود له، يدفعه إلى الصراخ، يسمعه الجميع: أنا تعبت من السفر.. أنا تعبت من السفر..

يلتفت إليه الجميع دون أن يجيبه أحد عن سؤاله؛ فيصب غضبه على لوحاته؛ فيشفق عليه جده، يعلم أن التعذيب في سجن المحتل أفقده فصلا من ذاكرته؛ يحاول أن يهدئ من ثورته. لم يبقَ من أهله غيره، يسميه الناس شيخ النازحين؛ بدأ رحلته صغيرا من يافا بعد أن طردته وأسرته العصابات الصهيونية منها.

أغلق الجد نافذة خيمتهما، هي أكبر خيام النازحين إلى شاطئ البحر، بعد قصف متواصل من عدو حاقد لم يترك لهم شبرا واحدا من المدينة، يراقبها بطائراته التي سكنت السماء، تبدو من عل كخيط قابل للاشتعال في لحظة انتقام، ويرسمها هو بجنونه قطارا قد انطلق باكرا إلى العالم الآخر..".

يمكنك أن تقتبس نصك من وجوه هؤلاء. قد يتهمك المستلبون بأنك كاتب خيال علمي، تقفز بقلمك بين الكواكب المجهولة، تصطحب أشخاصا غير آدميين لا تنبض قلوبهم مثلنا، أو أنك عجائبي بعيد عن الواقع، تزرع شكا في نفس قارئ يتخطفه الذهول. اكتب؛ فكل ما هو أمامك واقع.. فلتخرج كلماتك حية، ويخرج هؤلاء أحياء من تحت رماد!

إعلان

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان