- أطفال اللجوء بين الأردن وسوريا.. جيل يقف على حافة هوية مزدوجة وصراع الانتماء
لم تكن مياس بذلك الوعي الكافي وهي في الخامسة من عمرها عندما غادرت سوريا وقطعت الحدود الأردنية السورية. آخر ما حفظته ذاكرتها من تلك البلاد كان حاجزا أمنيا بدباباته وشبيحته وقناصيه، وصوت الجنود يصرخون: "هويتك ولاك".
ذلك اليوم الصعب من أيام مارس/آذار مطلع عام 2013، في مرحلة بدأ فيها طيران السوخوي يحلق في سماء درعا وغيرها من المحافظات ليمطر أهلها بالبراميل المتفجرة وكل ما هو قاتل.
"يا حيف زخ رصاص على الناس العزل يا حيف". أغنية بقي صداها في قلوب السوريين منذ أن بدأت الثورة عام 2011. شيبها وشبابها، نساؤها وأطفالها وشيوخها؛ الجميع يصرخ "يا حيف". كانت تلك إحدى الترتيلات التي كبرت عليها مياس في الأردن، طالبة لجوء وفق قوانين وأوراق وثبوتيات الأمم المتحدة. سمعت الأغنية ولم تفهمها، وغنتها بكل إحساس من دون وعي لمعناها، وظلت تردد: "يا حيف".
عام 2014، وفي سهرة شتوية باردة، سألت مياس والدها: كيف هي سوريا؟ وكيف هي دمشق عاصمتها؟ ولماذا لم نذهب إليها وهي لا تبعد سوى كيلومترات قليلة؟ كان للصمت صدى أكبر بكثير من أي إجابة؛ صدى يعبر عن فجوة آخذة بالاتساع بين جيلين: جيل الأب الذي عاش في بلده وذاق مرارة الحرب ثم خرج بأبنائه إلى بلد اللجوء، وجيل الابنة التي تحمل اسم وطنها سوريا وجنسيته ولم ترَه قط. فكيف لطفل أن يبني صورة وطنه وهو لا يتذكر منه إلا القصف والدمار و"يا حيف"؟
جيل تتشكل هويته يوما بعد آخر بلا جغرافيا، بل عبر ذاكرة صامتة لا يعرف فيها الآباء ماذا يقولون ولا كيف يصفون لأطفالهم وطنهم الوراثي: سوريا؛ إرثه وتاريخه، حضارته القديمة المتجددة، موارده الطبيعية، امتداد عراقته
ماذا يعني تحرير سوريا لجيل لم يعرف الحرب ولا الوطن؟
يقدر عدد الأطفال السوريين الذين ولدوا في الأردن منذ أزمة اللجوء عام 2011 بقرابة ربع مليون طفل، وهم يشكلون نحو 48% من إجمالي اللاجئين السوريين في المملكة، بحسب تقارير صادرة عن منظمات الطفل.
ويتمتع هؤلاء الأطفال بحقوق نصت عليها اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل التي وقع عليها الأردن، إضافة إلى الحقوق التي كفلها الدستور الأردني، وتشمل الحق في البقاء والتعليم والتنمية والحماية والمشاركة.
جيل يعيش في أمن وأمان نسبي مقارنة بما عانته الأسر السورية من بطش نظام الأسد المخلوع. هؤلاء الأطفال، وقد أصبح أصغرهم اليوم في العقد الثاني من العمر، بدؤوا يدركون أنهم يعيشون في بلد مضياف هو الأردن، وطنهم الأول الذي رباهم واحتضنهم وقدم لهم الأمن والاهتمام والاحترام، وتقاسم معهم لقمة العيش. وقد ساهم القرب الجغرافي بين البلدين والروابط العائلية المتداخلة في تعزيز هذا الاحتضان بين الشعبين الأردني والسوري.
جيل تتشكل هويته يوما بعد آخر بلا جغرافيا، بل عبر ذاكرة صامتة لا يعرف فيها الآباء ماذا يقولون ولا كيف يصفون لأطفالهم وطنهم الوراثي: سوريا؛ إرثه وتاريخه، حضارته القديمة المتجددة، موارده الطبيعية، امتداد عراقته.
كل ذلك يمكن أن يروى، لكنه يبقى ذاكرة منقولة شفهيا؛ ذاكرة للآباء عن وطن مثالي تركوه وراءهم: بيوت دافئة، حارات، أعراس، مدارس. سردية مؤثرة يحملها الآباء للأبناء في الغربة ليبقى الوطن محفوظا في الذاكرة فقط.
أما السردية الأخرى التي يتلقفها هؤلاء الأطفال فهي السردية الإعلامية: وطن مجروح، حرب، اعتقالات، دمار، موت، بُعد، هجرة، لجوء. جيل كبر على بلد اسمه سوريا في سياق مؤلم، بلد لم يظهر لهم كقوة بل كفاجعة. وهنا تكمن الإجابة عن سؤال معنى تحرير سوريا بالنسبة للجيلين.
بالنسبة للجيل الأول، الآباء، أصبحت نشوة التحرير مرتبطة بحدوث تحول سياسي في الحكم، وبحرية التعبير، وبقدرة المواطن السوري على صياغة كرامته عبر دولة تكفل حقوقه. التحرير بالنسبة لهم هو العودة إلى البيت الذي تركوه، واستعادة ما سلبه منهم النظام الغاشم: الكرامة، السلام، والحياة التي تليق بإرث المواطن السوري.
أما الجيل الجديد، الجيل الذي كانت مياس واحدة منه، فإن التحرير يعني شيئا مختلفا تماما: عودة بيت الجد ودفئه، اجتماع العائلة كاملة، الدراسة في المدرسة التي تحدث عنها الآباء، وحضور الأعراس التي كانت تقام بحضور عائلي كبير.
اللاجئ يعاني فرقة الأهل وتقاسم العائلة بين دول شقيقة، ويواجه صعوبة التنقل نتيجة الإجراءات والحدود، إذ يحمل لقبا ثقيلا في عالم السياسة: لاجئا.
حتى لو كان التحرير يعني بيت عزاء كبيرا، يظل تحريرا، وله فرحته الخاصة عند جيل عرف وطنه صوتا بلا صورة، وأصبح اليوم صورة بلا صوت.
بعد سقوط الأسد، ومع التحولات السياسية التي شهدتها سوريا خلال عامي 2024 و2025، عاد بعض اللاجئين، وبقي أكثرهم لأسباب اقتصادية وتعليمية، ومعها أسباب أخرى
هوية بلا جغرافيا
يعيش الطفل الذي ولد ويعيش في بلاد اللجوء ازدواجية في الهوية. يعرف أنه سوري لكنه لا يعرف أين هو مكان انتمائه الحقيقي؛ فبين اللهجة المنزلية والطعام والأغاني والقصص والجدات، وبين المدرسة والمجتمع الجديد في بلد اللجوء، تتشكل هوية هجينة.. فريدة، لكنها مربكة أمام خيارات صعبة.
في الأردن، يخف هذا الارتباك لغياب الفوارق الكبيرة في العادات واللهجات. لكن ماذا عن الأطفال السوريين في تركيا ولبنان وألمانيا وأميركا وإسبانيا وغيرها؟ هناك تصبح الهوية أكثر تعقيدا بين بلد رباهم، وبلد ولدوا فيه، وبلد آخر قيل لهم إنه وطنهم.
أحلام الصغار
يحلم كثير من الأطفال اللاجئين السوريين بزيارة سوريا أكثر مما يحلمون بالحصول على جنسية أخرى. بعضهم يصنع صورة رومانسية عن وطن لم يره، وقد لا تشبه الواقع. والسؤال: هل سيعود هؤلاء حين يكبرون؟ أيرون سوريا وطنا فعليا أم رمزا متوارثا؟ بالنسبة لهم، التحرير هو تحرير الحكاية من الغياب.
"كيف هي سوريا؟"… سألت مياس والدها. كان صمته كافيا ليكشف الفجوة بين جيل يحمل ذاكرة وطن، وجيل سمع عن وطنه في بلاد اللجوء. صمت يؤكد أن الأوطان لا تختزل بالحدود.
وبعد سقوط الأسد، ومع التحولات السياسية التي شهدتها سوريا خلال عامي 2024 و2025، عاد بعض اللاجئين، وبقي أكثرهم لأسباب اقتصادية وتعليمية، ومعها أسباب أخرى. وربما لم ير هذا الجيل سوريا، لكن سوريا لم تغب عنه يوما. ما زال ينتظر عيد التحرير الذي يبدأ من القدرة على زيارتها، قبل أن يبدأ من السياسة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

