سوريا بعد التحرير: عام على سقوط النظام وبداية الجمهورية الثانية

صور للاحتفالات الشعبية في سوريا برفع عقوبات قانون قيصر- المصدر: الإخبارية السورية @AlekhbariahSY علX
جانب من الاحتفالات الشعبية في سوريا بذكرى الثورة الأولى (الإخبارية السورية)
  • سوريا.. عام من الحرية

عام مضى، عام كامل منذ الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024، ذاك اليوم الذي أسدل فيه الستار على حقبة مؤلمة في سوريا، معلنا عن فصل جديد في تاريخ البلاد والمنطقة بأسرها.

في ذلك اليوم طويت صفحة سوداء مدوية من تاريخ سوريا الحديث، معلنة نهاية أكثر من خمسة عقود من حكم آل الأسد. ومع مرور العام الأول على التحرير، يمثل هذا التاريخ نقطة اللاعودة والفصل الحاسم بين عهد البؤس والقمع، وبين فجر جمهورية ثانية ولدت من رحم الثورة ودماء غالية.

وبينما يتلمس السوريون التغيير الملموس في حياتهم اليومية، تبرز التحديات الجسيمة التي تواجه البلاد في رحلتها المعقدة من مرحلة التحرر إلى بناء دولة جديدة ومستقرة عبر مسارها الانتقالي.

اعتمدت الحكومة على 23 وزيرا تم اختيارهم بناء على الكفاءات والخبرات التكنوقراطية والمهنية لتمثيل مختلف أطياف الشعب السوري، مع التركيز على بناء مؤسسات الدولة وتعزيز الشفافية والمساءلة ومكافحة الفساد

الانهيار الكبير.. اللحظة التي صنعت التاريخ

لم يكن الانهيار الذي حدث في ديسمبر/كانون الأول 2024 مجرد تغيير مفاجئ، بل كان تتويجا لـ 14 عاما من الثورة والنضال المستمر، منهيا بذلك حكما استبداديا دام خمسة عقود.

فالنظام الذي بدا في فترة ما حصينا ومدعوما بحلفاء إقليميين ودوليين، انهار في غضون أيام قليلة بعد أن كان يترنح داخليا؛ بسبب تفشي الفساد الاقتصادي وتجارة الكبتاغون، وتآكل الولاءات في أجهزته الأمنية والعسكرية.

وقد انطلقت مرحلة الانهيار العسكري الشامل، التي سبقتها سنوات من التحضير والتدريب، فعليا يوم 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024 بإطلاق فصائل الثورة عملية "درع العدوان". وفي غضون 12 يوما فقط تفكك النظام وانهار عسكريا وسياسيا، وتتابعت لحظات التحرير بالسيطرة على حلب وحماة وحمص وصولا إلى دخول العاصمة دمشق والسيطرة عليها.

وكانت فاعلية مسيرات "الشاهين" عاملا حاسما في إرباك خطوط الدفاع ومنحت الفصائل الثورية تفوقا تقنيا ونفسيا. ومع هروب بشار الأسد إلى موسكو وخروج المعتقلين، دخلت البلاد مرحلة سياسية جديدة بعد عقود من حكم البعث الدموي.

إعلان "حكومة التغيير والبناء": ميلاد مرحلة جديدة

دشنت سوريا فصلا جديدا بإعلان تشكيل حكومة جديدة في 29 مارس/آذار 2025، عقب مؤتمر النصر الذي عقد في يناير/كانون الثاني 2025. وقد أسندت رئاسة الحكومة إلى الرئيس أحمد الشرع، وتتمثل مهمتها في إدارة مرحلة انتقالية مدتها خمس سنوات تحت مظلة الدستور السوري المؤقت لعام 2025.

إعلان

اعتمدت الحكومة على 23 وزيرا تم اختيارهم بناء على الكفاءات والخبرات التكنوقراطية والمهنية لتمثيل مختلف أطياف الشعب السوري، مع التركيز على بناء مؤسسات الدولة وتعزيز الشفافية والمساءلة ومكافحة الفساد.

وتؤكد هذه الخطوة التزام الإدارة الجديدة بإعادة بناء الدولة السورية على أسس حديثة مع دمج القوى السابقة في إطار مؤسساتي، واستعادة الاستقرار الداخلي، وصولا إلى إعادة سوريا إلى المجتمع الدولي وتشكيل علاقات بناءة مع دول الجوار والقوى الكبرى بعد سنوات من العزلة.

على الرغم من زخم العودة، فإن طريق إعادة الاندماج ليس مفروشا بالورود، إذ يواجه العائدون تحديات جسيمة تهدد استدامة عودتهم وتعيق بناء حياتهم من جديد

مستقبل العودة: رحلة اللاجئين بعد سقوط النظام

شهدت الفترة التي تلت سقوط النظام تصاعدا ملحوظا في أعداد اللاجئين والنازحين العائدين إلى أرضهم. فتقديرات الأمم المتحدة تشير إلى عودة أكثر من 1.2 مليون لاجئ سوري حتى ديسمبر/كانون الأول 2025، بالإضافة إلى عودة أكثر من مليون نازح داخلي إلى مناطقهم الأصلية، مما يجعل سوريا أكبر مثال على عودة اللاجئين والنازحين في العالم.

ويعد لبنان من أبرز الدول التي شهدت عودة واسعة، حيث أطلقت الحكومة اللبنانية -بالتعاون مع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة- خطة منظمة لعودة ما بين 200 ألف و400 ألف لاجئ طوعا مع توفير حوافز لهم. وأسفرت هذه الخطة عن تسجيل أكثر من 17 ألف لاجئ للعودة رسميا، فيما أعلنت الأمم المتحدة عودة أكثر من 378 ألف لاجئ من لبنان.

كما شهد الأردن عودة منتظمة للاجئين عبر معبر نصيب، بينما عاد أكثر من 70 ألف سوري من تركيا.

وعلى الرغم من زخم العودة، فإن طريق إعادة الاندماج ليس مفروشا بالورود، إذ يواجه العائدون تحديات جسيمة تهدد استدامة عودتهم وتعيق بناء حياتهم من جديد.

نهاية زمن القمع: خروج المعتقلين وطي صفحة السجون السرية

تبقى الصورة الأجمل في تحرير سوريا خروج المعتقلين من السجون، حيث تمكن حوالي 30 ألف معتقل من استعادة حريتهم من سجون "الداخل إليها مفقود، والخارج منها مولود"، مما شكل مشهدا مضيئا وبداية لمسار تحقيق العدالة.

ومع ذلك، فإن المشهد يخفي مأساة ضخمة تتمثل في مصير نحو 100 ألف مفقود لم يتم العثور عليهم. ويرجح مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان أن غالبيتهم قتلوا تحت التعذيب. كما لم يعرف مصير شخصيات سياسية وحقوقية بارزة مثل عبدالعزيز الخير، وخليل معتوق.

ويشدد الحقوقيون على ضرورة إدارة ملف المفقودين والمعتقلين بآلية دقيقة ومسؤولة، تحت إشراف حقوقي مستقل، لضمان حقوق الضحايا والمضي قدما في كشف مصير جميع المختفين.

استعادة الأمن في سوريا: من الفوضى إلى الاستقرار

يشهد مسار استعادة الأمن مرحلة معقدة تتطلب مقاربة شاملة، حيث تسعى الحكومة إلى إعادة هيكلة عميقة للأجهزة الأمنية بقيادة وزارة الداخلية؛ بهدف بناء قوات مهنية لتعزيز سيادة الدولة ومكافحة الإرهاب-خاصة تنظيم الدولة "داعش"- مع الحرص على دمج المجموعات المسلحة السابقة في هيكل أمني موحد.

وقد أعلنت وزارة الداخلية فتح باب الانتساب للشرطة والأمن، بالتزامن مع دعم دولي متزايد ظهر في زيارة أعضاء مجلس الأمن الدولي للبلاد، الأمر الذي يعكس التزام المجتمع الدولي بدعم الاستقرار وإعادة ترسيخ وجود الأمم المتحدة.

تستند ركائز النمو المستقبلي إلى استغلال الثروات الطبيعية -كالنفط والغاز والفوسفات- إضافة إلى الاستثمار في رأس المال البشري عبر عودة الكفاءات ودعم التعليم والتدريب

الاقتصاد السوري: بداية تعافٍ حذر

يشهد الاقتصاد السوري في عام 2025 بداية مرحلة حاسمة من التعافي البطيء بعد سنوات طويلة من التحديات الاقتصادية. فبعد انكماش حاد ومتواصل، تشير التقديرات إلى تحقيق نمو متواضع قدره 1%. ورغم تواضعه، فإنه يمثل نقطة تحول إيجابية بعد سنوات من الانكماش.

إعلان

يدعم هذا التحول عوامل عدة أبرزها تخفيف بعض العقوبات -وخاصة الأميركية- وعودة جزء من اللاجئين مما يزيد الطلب المحلي، وتوافر قوى بشرية لإعادة الإعمار والإنتاج.

شهدت المؤشرات المالية تحسنا نسبيا تمثل في استقرار أسعار الغذاء وتراجع طفيف في التضخم، مع ارتفاع ملحوظ في قيمة الليرة السورية بنسبة نحو 29% بين نهاية 2024 وأغسطس/آب 2025.

كما تتجه الجهود نحو جذب الاستثمارات الأجنبية وتحديث الأنظمة المصرفية والتفاوض مع شركات عالمية مثل فيزا وماستركارد، وفتح المجال لخصخصة جزئية لبعض مؤسسات القطاع العام.

وتستند ركائز النمو المستقبلي إلى استغلال الثروات الطبيعية -كالنفط والغاز والفوسفات- إضافة إلى الاستثمار في رأس المال البشري عبر عودة الكفاءات ودعم التعليم والتدريب.

السياسة الخارجية السورية: بناء الجسور واستعادة المكانة

كانت سوريا لعقود في قلب الصراعات الإقليمية والدولية، لكنها بعد عام من التحرير انطلقت في مسار دبلوماسي مكثف لإعادة تعريف مكانتها.

أولت دمشق اهتماما خاصا بإعادة بناء العلاقات مع الدول العربية، خصوصا السعودية وقطر، ومع العراق والأردن ولبنان. وشملت التحركات زيارات لوزير الخارجية إلى الرياض والدوحة وأبوظبي وعمان وأنقرة، مما أسهم في إعادة دمج سوريا في محيطها العربي.

كما سعت القيادة السورية إلى الانفتاح على الولايات المتحدة وأوروبا بهدف رفع العقوبات وتوسيع الدعم لإعادة الإعمار. وشمل ذلك زيارة للرئيس أحمد الشرع إلى واشنطن ولقاءه بالرئيس الأميركي وإلقاء خطاب في الأمم المتحدة، إضافة إلى زيارة لفرنسا.

وفي المقابل، تم العمل على إعادة هيكلة العلاقات مع حلفاء النظام السابق، خصوصا إيران، بهدف تقليص وجودها العسكري والأمني وحصره في نطاق سياسي واقتصادي، بما يحفظ استقلال القرار السوري ضمن سياسة أسمتها دمشق "السيادة التوافقية".

منذ سقوط النظام، تحولت الإستراتيجية الإسرائيلية من غارات محدودة إلى مقاربة شاملة فرضت وقائع جديدة، عبر أكثر من ألف غارة، واستهداف البنية التحتية العسكرية السورية

تحديات أمنية معقدة

لا يزال الوضع الأمني هشا، مع استمرار وجود بقايا تنظيم الدولة، إضافة إلى صراعات محلية بين مكونات المجتمع كما في السويداء وشمال شرق سوريا، حيث تطالب بعض الأطراف- مثل الدروز والأكراد- بحكم ذاتي أوسع، مما يثير مخاوف من الفدرالية أو التقسيم.

وقد عكست الأحداث الأخيرة في الساحل السوري والسويداء وشمال شرق البلاد مدى تعقيد الموقف، مما يجعل فرض سيطرة الدولة وتثبيت الاستقرار مهمة شاقة.

إعادة الإعمار: التحدي الأكبر نحو مستقبل مزدهر ومستقر

يشكل الدمار الهائل الذي لحق بسوريا تحديا غير مسبوق. فقد دمرت المنازل والمستشفيات والمدارس والبنى التحتية الحيوية. وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن تكلفة إعادة الإعمار تبلغ نحو 216 مليار دولار، فيما ترفع تقديرات أخرى الرقم إلى 900 مليار دولار.

تعرقل العقوبات الدولية جهود الإعمار، مما يحد من قدرة الشركات الدولية على المشاركة ويزيد من تعقيد عملية إعادة البناء الشامل التي تمتد لتشمل الإصلاحات السياسية والاجتماعية إلى جانب البنية التحتية.

تصاعد الاستفزازات الإسرائيلية وإعادة تشكيل المشهد الإقليمي

تتزامن الاحتفالات السورية بالتحرير مع تصاعد الاعتداءات الإسرائيلية التي تشكل العائق الأكبر أمام الاستقرار. فمنذ سقوط النظام، تحولت الإستراتيجية الإسرائيلية من غارات محدودة إلى مقاربة شاملة فرضت وقائع جديدة، عبر أكثر من ألف غارة، واستهداف البنية التحتية العسكرية السورية، إضافة إلى توغلات برية في الجنوب كان آخرها عملية بيت جن التي تصدى خلالها الأهالي لقوات الاحتلال واستشهد فيها 13 شخصا.

وعلى الرغم من رسائل الطمأنة السورية، تواصل إسرائيل انتهاك السيادة السورية. وقد دخلت دمشق في مفاوضات غير مباشرة بوساطة أميركية للتوصل إلى اتفاق أمني جديد، لكن المفاوضات تعثرت بسبب رفض تل أبيب الانسحاب من جميع المناطق التي احتلتها بعد 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، بينما تصر دمشق على الانسحاب الكامل كشرط لأي اتفاق.

على الرغم من التطورات الإيجابية التي شهدتها سوريا بعد التحرير، فإن المستقبل يقف على مفترق طرق. فالإنجازات المؤسسية لن تصمد ما لم تعالج العقبات الداخلية والخارجية، خاصة هشاشة الاستقرار الأمني وتعثر التعافي الاقتصادي بسبب العقوبات

العدالة الانتقالية في سوريا: رحلة نحو الشفاء والمساءلة

تتمحور العدالة الانتقالية في سوريا حول كشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين، وجبر الضرر، وتحقيق التوافق الاجتماعي. وفي عام 2025، تم إصدار مرسومين بإنشاء "الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية" و"الهيئة الوطنية للمفقودين" لمعالجة ملف يضم أكثر من 170 ألف مفقود.

إعلان

ورغم هذه الخطوات، تواجه العدالة الانتقالية تحديات كبيرة أبرزها هشاشة الاستقرار السياسي والأمني، وضعف المؤسسات القضائية، وصعوبة جمع الأدلة، وانتقادات لقصور ولاية الهيئات وغياب الشفافية وآليات مشاركة الضحايا.

وتؤكد التجارب الدولية أن نجاح العدالة الانتقالية يتطلب تنسيقا متزامنا بين مساراتها الأربعة: المساءلة الجنائية، كشف الحقيقة، جبر الضرر، والإصلاح المؤسسي.

على الرغم من التطورات الإيجابية التي شهدتها سوريا بعد التحرير، فإن المستقبل يقف على مفترق طرق. فالإنجازات المؤسسية لن تصمد ما لم تعالج العقبات الداخلية والخارجية، خاصة هشاشة الاستقرار الأمني وتعثر التعافي الاقتصادي بسبب العقوبات.

إن عبور سوريا نحو دولة مستقرة يتطلب معالجة شاملة لهذه التحديات، وإلا فإن الفرصة التاريخية للتحول قد تتبدد أمام استمرار الخلافات وغياب التوافق الوطني.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان