- السودان يئن تحت سماء التخاذل العالمي الصامت!
أكثر من عامين قُتل فيها السودانيون في كل شبر من السودان بسلاح الجنجويد، ثم بسيف الانتقام وذريعة التعاون!
ارتوت أرض السودانيين بدمائهم، وما تحرك العالم قيد أنملة. أرواح أزهقت، عائلات دمرت، ووطن يسلب منه نبض الحياة تحت سماء التخاذل العالمي الصامت.
- أكثر من عامين والسودان يذبح تحت مرأى ومسمع العالم.
- أكثر من عامين والسودانيون يصارعون الإبادة بهويتين والخذلان برداء واحد!
لقد شهد السودان فصولا من الرعب يصعب على الضمير الحي استيعابها. بدأت المأساة على يد مليشيات مارقة جردت المدنيين العزل من كل شيء، وارتكبت إبادات شبه كاملة في القرى والمدن.
وعندما تنفس البعض الصعداء بخروج المعتدين، جاءهم سيف آخر ذو حدين، حيث استخدمت تهمة "التعاون" و"الحواضن" لتبرير ذبح وتهجير من تبقى، قبل وبعد بطش الجنجويد بود النورة والفاشر وبارا وغيرها.
نعم، تركنا العالم وحدنا. وفي زمن قريب، عندما عصفت الحرب الأهلية بسوريا، تصدر ملف السوريين أجندات الهجرة واللجوء، وفتحت لهم الأوطان البديلة واحتضنتهم بمئات الآلاف
إن التناوب على القتل هو السمة المأساوية لهذه الحرب. فالسودانيون يقتلون على أيدي قوى محلية مسعورة، وتشارك في ذبحهم مرتزقة من كل حدب وصوب، من ليبيا وتشاد وأفريقيا الوسطى ومن التيغراي وأوكرانيا وروسيا وكولومبيا! لقد تحول السودان إلى مسرح مفتوح لمرتزقة العالم، وساحة لتصفية حسابات إقليمية ودولية، ضحيتها الوحيدة هم المواطنون العزل.
أين المفر؟ والعالم أغلق أبوابه وزاد السجن ترباسا في وجه السودانيين. في الوقت الذي كان فيه العالم يتأهب لـ"التضامن" عبر البيانات الخجولة والمسيرات الباردة، كان السودان يقتل خلف قضبان الجغرافيا والحدود المغلقة. لقد أحكم المجتمع الدولي إغلاق أبوابه في وجه الهاربين من الموت، بل إن جيران السودان، الذين طالما استفادوا من خيراته، عاقبوا النازحين واللاجئين بإغلاق حدودهم في وجوههم بلا رحمة.
في خضم هذا اليأس، اختار السودانيون أخطر الطرق، كمن يرمي بنفسه من الهاوية ليجد الموت في القاع. قصص مروعة ومؤلمة، مثل مأساة الأستاذ المحامي عبدالخالق النويري في أوغندا، حيث وجد جثة مجهولة في أحد المستشفيات بعد اختفاء استمر لأيام، لتروي فصلا جديدا من فصول النزوح غير الآمن. حتى الملاذات القليلة- مشكورة- لم تعد آمنة!
نعم، تركنا العالم وحدنا. وفي زمن قريب، عندما عصفت الحرب الأهلية بسوريا، تصدر ملف السوريين أجندات الهجرة واللجوء، وفتحت لهم الأوطان البديلة واحتضنتهم بمئات الآلاف. أما نحن، سودان الأزمة المنسية، فقد وضعنا في خانة الانتظار على رصيف الموت، وكأن أرواحنا أقل قيمة، وكأن دماءنا لا تستحق حبر قرارات العالم وعتبات حدوده!
كفى صمتا! فكل دقيقة تمر هي روح سودانية تزهق. ولن ينسى السودانيون أبدا عيون العالم التي استمتعت بمشاهد إبادتهم دون حراك فعلي
لا نريد تمثيليات، لا نريد لافتات "تضامن" خاوية لا تغني من جوع ولا تنجي من رعب. نريد تحركا فعليا وفوريا لحماية المدنيين، وفرض مناطق آمنة تحت حماية دولية فعالة. نريد توفير ممرات إنسانية حقيقية لا تتعرض للقصف والنهب.
نريد محاسبة جميع المرتزقة والقتلة، وإدراج القادة والمليشيات والمتعاونين الدوليين معهم على قوائم العقوبات. نريد الملاحقة الجنائية لهؤلاء بتهمة جرائم الحرب والإبادة الجماعية.
نريد فتح أبواب اللجوء الكريمة، فعلى الدول الغنية، والدول التي تملك القدرة، أن تفتح أبوابها فورا للسودانيين العالقين في دول "العالم الثالث" غير الآمنة والفقيرة، وتوفير الوظائف والأمل لهم. فلم يعد أمام هؤلاء من خيار سوى العيش بكرامة أو الموت ببطء.
كفى صمتا! فكل دقيقة تمر هي روح سودانية تزهق. ولن ينسى السودانيون أبدا عيون العالم التي استمتعت بمشاهد إبادتهم دون حراك فعلي. لا وقت للانتظار، تحركوا الآن، قبل أن يصبح السودان مجرد ذكرى لمقبرة جماعية ضخمة!
كفانا خذلان
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

