اتخذ الجدل الأميركي المتجدد حول أفغانستان منعطفا دراماتيكيا مع إصرار دونالد ترامب على ضرورة "استعادة" الولايات المتحدة قاعدة باغرام الجوية من طالبان.
هذا التصريح أعاد إحياء الجدالات القديمة حول الانسحاب الأميركي، وتحولات القوى الإقليمية، والظل المستمر للحرب التي انتهت عام 2021.
وسرعان ما تحول تركيز ترامب على باغرام- التي كانت يوما ما أكبر منشأة عسكرية أميركية في أفغانستان- من مجرد شعار انتخابي إلى جدل جاد في السياسة الخارجية، أثار معارضة الدول المجاورة، ورفضا قاطعا من حكومة طالبان في كابل.
لمدة عقدين من الزمن، كانت قاعدة باغرام- التي تقع على بعد حوالي خمسين كيلومترا إلى الشمال من كابل- المركز العصبي للعمليات العسكرية الأميركية؛ فقد استضافت آلاف الجنود، وكانت بمثابة مركز لوجيستي، وموقعٍ لعمليات الطائرات بدون طيار والتنسيق الاستخباراتي عبر آسيا الوسطى والجنوبية.
وعندما أكملت القوات الأميركية وقوات الناتو انسحابها في أغسطس/آب 2021، تم إخلاء باغرام بين عشية وضحاها، في خطوة ترمز إلى نهاية أطول حرب خاضتها أميركا.
تشير تصريحات ترامب إلى أن اهتمامه المتجدد بالقاعدة لا يتعلق بأفغانستان فحسب، بل بـ"تموضع إقليمي أوسع"؛ فموقع باغرام بالقرب من إقليم شينجيانغ الصيني، وحدود إيران الشرقية، وتخوم باكستان، يوفر قدرة مراقبة محتملة لمناطق إستراتيجية متعددة
ولكن بالنسبة لترامب والعديد من أنصاره، لم يمثل هذا الإخلاء من وجهة نظرهم نهاية، بل إذلالا واستسلاما، أديا إلى التخلي عن أصل إستراتيجي حاسم لمواجهة الصين، وروسيا، والإرهاب في المنطقة.
في الأشهر الأخيرة، كرر ترامب القول إنه "ما كان ينبغي للولايات المتحدة أن تتخلى عن باغرام أبدا"، حتى إنه وصفها بأنها "على بعد ساعة واحدة فقط من حيث تبني الصين أسلحتها النووية".
وتشير تصريحاته إلى أن اهتمامه المتجدد بالقاعدة لا يتعلق بأفغانستان فحسب، بل بـ"تموضع إقليمي أوسع"؛ فموقع باغرام بالقرب من إقليم شينجيانغ الصيني، وحدود إيران الشرقية، وتخوم باكستان، يوفر قدرة مراقبة محتملة لمناطق إستراتيجية متعددة.
وبهذا المعنى، تعكس حجة ترامب منطق "الحرب الباردة"، وهو أن امتلاك قاعدة عسكرية متقدمة يعادل النفوذ والردع والقدرة على استعراض القوة.
ومع ذلك، فإن الواقع على الأرض يجعل مثل هذه الطموحات معقدة للغاية؛ فقد رفضت طالبان بحزم أي مناقشة حول عودة قوات أجنبية أو السيطرة المشتركة على الأراضي الأفغانية. وأعلنت وزارة الخارجية الأفغانية أن "أي جزء من أفغانستان ليس للتفاوض"، محذرة من أن أي محاولة لإعادة احتلال باغرام ستُعامل كـ"عمل عدواني".
إن مجرد إمكانية عودة القوات الأميركية بأي شكل محدود هو أمر "غير مقبول سياسيا" لحكام كابل، الذين بنوا شرعيتهم على طرد الجيوش الأجنبية. وبالنسبة لهم، باغرام ليست مجرد مطار، بل هي "رمز وطني للسيادة المستعادة".
كذلك كانت ردود الفعل الإقليمية سلبية؛ فالصين، وروسيا، وإيران- ولكل منها مصالح متباينة في أفغانستان- أبدت معارضتها أي وجود عسكري أميركي متجدد.
تشير التقارير الواردة من واشنطن إلى أن فريق ترامب كان يدرس بهدوء خيارات أقل حدة من إعادة الاحتلال الكامل، مثل التعاون الاستخباراتي مع دول المنطقة، أو ترتيبات لوصول الطائرات بدون طيار
أما الهند، فعلى الرغم من تعاونها الإستراتيجي الطويل مع واشنطن، فقد اتخذت موقفا حازما بشكل خاص، ويرى المسؤولون الهنود- وفقا لمصادر دبلوماسية إقليمية- أن خطة ترامب تمثل "خطوة مزعزعة للاستقرار"، يمكن أن تؤجج التوترات، وتعقّد انخراط الهند التنموي في أفغانستان.
ومع ذلك، قد يكون لإصرار ترامب علاقة بالسياسة الداخلية بقدر ما يتعلق بالإستراتيجية؛ فتصريحاته حول باغرام تلقى صدى جيدا لدى الجماهير المحافظة، التي لا تزال مستاءة من انسحاب عام 2021. وبالنسبة لهم، ترمز استعادة القاعدة إلى "استعادة الهيبة الأميركية"، وتصحيح ما يسميه ترامب "استسلام بايدن الكارثي".
يصف المحللون في واشنطن هذا بأنه "مسرح سياسي"، فهو سردية حملة تهدف إلى استعراض الحزم في الخارج والكفاءة في الداخل. ومع ذلك، فإن هذا الخطاب يخاطر بالتحول إلى ضغط سياسي إذا قام مستشارو ترامب بترجمة الفكرة إلى مبادرات دبلوماسية أو سرية، تهدف إلى استعادة شكل من أشكال الوجود في أفغانستان.
تشير التقارير الواردة من واشنطن إلى أن فريق ترامب كان يدرس بهدوء خيارات أقل حدة من إعادة الاحتلال الكامل، مثل التعاون الاستخباراتي مع دول المنطقة، أو ترتيبات لوصول الطائرات بدون طيار، أو حقوق استخدام المنشأة في حالات الطوارئ لمكافحة الإرهاب.
هذه المناقشات، رغم أنها غير رسمية، أعادت إحياء الشكوك بين الدول المجاورة بأن الولايات المتحدة تسعى إلى "موطئ قدم" في أفغانستان تحت عنوان مختلف.
إن احتمال "استعادة" باغرام ضئيل للغاية، فأي عملية من هذا القبيل ستواجه حواجز لوجيستية وسياسية وقانونية، مع المخاطرة بإثارة مقاومة عنيفة
بالنسبة لبكين، وموسكو، سيتم تفسير أي خطوة من هذا القبيل على أنها محاولة لإعادة تأكيد النفوذ الأميركي في آسيا الوسطى، مما قد يؤدي إلى زعزعة التوازنات الإقليمية الدقيقة.
يعتقد بعض المحللين أن تركيز ترامب المفاجئ على باغرام قد يتعلق أيضا بـ"الصدع المستمر بين طالبان وباكستان"؛ فخلال الأشهر الأخيرة، اشتدت التوترات عبر الحدود والاتهامات المتبادلة، حيث اتهمت طالبان باكستان بالتدخل، واتهمت باكستان طالبان بإيواء مسلحين مناهضين لها.
وقد يرى ترامب، المعروف باستغلال الانقسامات الجيوسياسية، فرصة لاستخدام هذا الاحتكاك كـ"ورقة ضغط".
نظريا، قد تُغرى حركة طالبان، التي تواجه العزلة، بالدخول في مفاوضات محدودة حول التعاون الأمني، أو تبادل المعلومات الاستخباراتية. لكن مثل هذه الحسابات تستهين بـ"الصلابة الأيديولوجية" لقيادة طالبان و"المشاعر القومية" واسعة النطاق داخل أفغانستان، التي تعارض أي بصمة عسكرية أجنبية.
لذلك، فإن احتمال "استعادة" باغرام ضئيل للغاية، فأي عملية من هذا القبيل ستواجه حواجز لوجيستية وسياسية وقانونية، مع المخاطرة بإثارة مقاومة عنيفة.
وحتى لو حاولت الولايات المتحدة التفاوض على وصول جزئي لأغراض مكافحة الإرهاب، فإن ذلك سيتطلب تنازلات كبيرة لنظام لا تزال واشنطن لا تعترف به رسميا.
كما تتناقض الفكرة مع العقيدة العسكرية الأميركية الحديثة، التي تفضل العمليات عن بعد، والشراكات، وقواعد الطائرات بدون طيار في أراضٍ حليفة، بدلا من المنشآت الثابتة في دول معادية.
هذا الحنين، رغم فاعليته سياسيا، يحجب حقيقة أن الظروف التي جعلت باغرام ذات قيمة إستراتيجية لم تعد موجودة، إذ يمكن للولايات المتحدة مراقبة المنطقة من خلال تكنولوجيا الأقمار الصناعية، والشركاء الإقليميين
باختصار، إن مفهوم "استعادة" باغرام ماديا ينتمي إلى الماضي أكثر من انتمائه إلى الحقائق الإستراتيجية لعام 2025. ومع ذلك، فإن هوس ترامب يكشف عن شيء أعمق: "حنين إلى الحقبة" التي بدت فيها القوة الأميركية في أفغانستان مطلقة، وبهذا المعنى فإن باغرام ليست مجرد قاعدة عسكرية، إنها "رمز للهيمنة المفقودة".
من خلال استحضارها مرارا وتكرارا، يخاطب ترامب ذاكرة نفسية للسيطرة والانتصار، مقارنا إياها بفوضى مشاهد الانسحاب التي لا تزال حية في الذاكرة العامة.
هذا الحنين، رغم فاعليته سياسيا، يحجب حقيقة أن الظروف التي جعلت باغرام ذات قيمة إستراتيجية لم تعد موجودة، إذ يمكن للولايات المتحدة مراقبة المنطقة من خلال تكنولوجيا الأقمار الصناعية، والشركاء الإقليميين، وشبكات العمليات المتقدمة، دون إعادة إنشاء قاعدة كبيرة.
بالنسبة لأفغانستان نفسها، يؤكد هذا الجدل أن البلاد لا تزال "ساحة للإسقاطات الخارجية"، حتى بعد الانسحاب الأجنبي. فطالبان تستخدم تصريحات ترامب لتصوير نفسها كمدافعة عن السيادة، بينما تستخدم الولايات المتحدة القضية للإشارة إلى أنها لا تزال تحتفظ باهتمام ونفوذ إقليمي.
في نهاية المطاف، قد لا تترجَم حملة ترامب لاستعادة باغرام إلى إجراءات ملموسة، لكنها تكشف "الرمزية الدائمة لحرب أميركا المفقودة"، كما تُظهر حقيقة أن المسألة الأفغانية، التي هي أبعد ما تكون عن التسوية، لا تزال تشكل سرديات القوى العظمى.
تقف باغرام "كنصب تذكاري" لكل من الطموح الأميركي وحدوده، لتذكّر بأن السيطرة على الأرض لا تعني بالضرورة السيطرة على النتائج. وسواء أكانت تصريحات ترامب خطة إستراتيجية حقيقية أم "صدى حنين إلى قوة غابرة"، فإن العالم حول أفغانستان قد تغير، ولم يعد الكتاب القديم يناسب الواقع الجديد.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

