غزة والسودان.. جرحان في جسد واحد

غزة والسودان.. جرحان في جسد واحد
الكاتبة: غزة والسودان ليسا اسمين على خارطة الجراح فقط بل صوتين لدم واحد ينزف (وكالات)

رغم اختلاف الجغرافيا، وتباعد اللهجات، وتنوع المآسي، تبقى الحقيقة واحدة: الشعوب التي تدفع ثمن صراعات لا ذنب لها فيها تتشابه ملامح وجعها.

في غزة التي كانت تحت نيران الإبادة، وفي السودان وسط أتون الحرب الأهلية، تُزهق الأرواح بلا رحمة، وتُرتكب فصول من الجريمة بصمت.

نحن لا نتابع ما يحدث في السودان كخبر عابر، بل نشعر بكل تفصيلة فيه.. عشنا ذات الويلات، وعرفنا كيف يبدو انتظار المصير، وكيف تبدو الإبادة حين تصبح حدثا يوميا؛ كيف يُحمَل الأحباب إلى المقابر على عجل، وبعضهم بلا وداع، وكيف يصبح العالم كله أصمَّ حين تصرخ من الظلم والألم.

نحن أبناء هذه الجغرافيا المثقلة بالدم، لم نُخلق على أطراف الحكاية، بل في قلبها. نتوارث الألم كما نتوارث أسماءنا ولهجاتنا وذاكرة البيوت، لا نستطيع أن ندير وجوهنا ونمضي كأن شيئا لا يحدث؛ فدم السودان يقرع أبواب غزة، ودم غزة يرفرف فوق سماء الخرطوم.. كأن الشهداء في بلادنا يعرفون بعضهم، ويتصافحون عند أبواب السماء!

نحن لا نملك رفاهية التجاهل، لأن من ينسى اليوم سيجد جرحه غدا أعمق وأكثر قسوة.

رغم هول المجازر في الفاشر، يغيب عنها الضوء، كما غاب عن غزة في محطات كثيرة! يبدو أن الموت في منطقتنا لا يُحرِّك شهية الإعلام إلا إذا خدم رواية ما

عندما يتكرر الألم بوجوه مختلفة

ظنَّ أهل غزة أن وجعهم لا يشبه سواه، وأن معاناتهم استثنائية، حتى رأوا السودان يُدفن تحت رماد الصمت ذاته، ويُترك لينزف بعيدا عن ضوء العالم..

غزة والسودان ليسا اسمين على خارطة الجراح فقط، بل صوتين لدم واحد ينزف. تُسفك الأرواح بلا حساب، ويُترك الجوع لينخر في الصدور، بينما العدسات مغلقة، كأن الفقد إذا لم يحدث في العواصم البراقة، لا يُحتسب ضمن الخسائر الإنسانية.

ما لا تراه الشاشات

رغم هول المجازر في الفاشر، يغيب عنها الضوء، كما غاب عن غزة في محطات كثيرة! يبدو أن الموت في منطقتنا لا يُحرِّك شهية الإعلام إلا إذا خدم رواية ما. نحن نفهم هذا التجاهل، لأننا عشناه؛ حين يتحول الألم إلى مشهد يُعتاد، والضحايا إلى تفاصيل غير مهمة في نشرات الأخبار.

إن لم تدفع أحداث غزة والسودان نحو تغيير حقيقي، فماذا تنتظر هذه الأمة من شرقها إلى غربها كي تنفض غبار اليأس والانكسار الذي حلَّ في ديارنا؟

السودان الذي لم يصمت لأجلنا

لم يكن أهل السودان غرباء عن وجعنا يوما؛ ففي كل عدوان على غزة كانوا أول من يملأ الشوارع بالمظاهرات، يرفعون أعلام فلسطين، ويهتفون للقدس ولغزة، وكأن جرحنا جرحهم. وقفوا معنا رغم ما بهم، مدّوا صوتهم حين خفتت أصوات كثيرة.

إعلان

اليوم، والسودان يغرق في نار الحرب، لا نملك إلا أن نكتب وجعهم ونرفع صوتهم.. نقف اليوم أمام صور الحزن نفسها، لكننا أكثر إدراكا لأهمية أن نرفع الصوت حين لا يسمعه أحد.

إن لم نصحُ الآن.. فمتى؟

الصمت الدولي ليس حيادا، بل هو تواطؤ. حين تسكت الأمم عن الإبادة، فإنها تمنح القتلة ضوءا أخضر. نحن نعرف شعور أن تصرخ للعالم فلا يجيب، ولا يُحرِّك ساكنا.

إن لم تدفع أحداث غزة والسودان نحو تغيير حقيقي، فماذا تنتظر هذه الأمة من شرقها إلى غربها كي تنفض غبار اليأس والانكسار الذي حلَّ في ديارنا؟

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان