زهران ممداني وتحول المزاج الأميركي تجاه إسرائيل

Democratic candidate for New York City mayor Zohran Mamdani reacts after winning the 2025 New York City Mayoral race, at an election night rally in the Brooklyn borough of New York City, New York, U.S., November 4, 2025. REUTERS/Jeenah Moon TPX IMAGES OF THE DAY
زهران ممداني أول عمدة مسلم منتخب لمدينة نيويورك (رويترز)

لم يكن فوز زهران ممداني في انتخابات نيويورك حدثا سياسيا عابرا، بل زلزالا فكريا يعيد رسم خريطة المزاج الأميركي في واحدة من أكثر المدن رمزية للرأسمالية.

أن ينتخب سكان نيويورك، المدينة التي تضم أكبر تجمع يهودي خارج دولة الاحتلال، مرشحا اشتراكيا مسلما يعلن صراحة موقفا نقديا من الحكومة الإسرائيلية -راعية أكبر إبادة جماعية ضد المدنيين في التاريخ المعاصر- فذلك يعني أن البوصلة الأخلاقية والسياسية لأجيال جديدة بدأت تتحرك بعيدا عن الخطاب التقليدي الذي هيمن على المشهد الأميركي لعقود.

زهران ممداني، المنتمي إلى الجناح الديمقراطي الاشتراكي، لم يأتِ من قلب النخبة ولا من أروقة المال والأعمال، بل من الميدان الشعبي، من أحياء كوينز حيث تتقاطع الهويات واللغات والأديان.

حمل برنامجه الانتخابي شعارات بسيطة، تتمثل في: نقل عام مجاني، وسكن ميسور، وضرائب تصاعدية، وعدالة اجتماعية. لكن ما جعل فوزه استثنائيا لم يكن برنامجه فحسب، بل رمزية هذا الفوز في مدينة طالما عرفت بأنها مختبر الرأسمالية الأميركية ومركزها المالي الأول، ومعقل اللوبيات المؤثرة في الإدارات الأميركية المتعاقبة.

في قلب هذا التحول، برزت مفاجأة لا تقل أهمية؛ إذ أظهرت استطلاعات الرأي أن نسبة كبيرة من الشباب اليهودي، خصوصا من هم دون سن الرابعة والأربعين، صوتوا لصالح ممداني.

هذه الفئة، التي كانت لعقود تصوّت تلقائيا للديمقراطيين التقليديين أو تميل إلى دعم أي مرشح لا يمس العلاقة الأميركية الإسرائيلية، بدت اليوم أكثر انفتاحا على خطاب جديد يتحدث عن العدالة، حتى وإن اصطدم بالرواية الإسرائيلية الرسمية.

الصور القادمة من غزة، وصوت الأطفال تحت الركام، وأحاديث الإبادة الجماعية التي وثّقتها الشاشات، والتصريحات المتطرفة الصادرة عن بعض الوزراء الإسرائيليين مثل بن غفير وسموتريتش، تركت أثرا لا يمحى في الضمير العالمي

تأثير 7 أكتوبر/تشرين الأول

ليس سرا أن ما حدث بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول كان لحظة فاصلة في وعي العالم، وبالأخص في الولايات المتحدة. الصور القادمة من غزة، وصوت الأطفال تحت الركام، وأحاديث الإبادة الجماعية التي وثّقتها الشاشات، والتصريحات المتطرفة الصادرة عن بعض الوزراء الإسرائيليين مثل بن غفير وسموتريتش، تركت أثرا لا يمحى في الضمير العالمي.

إعلان

وفي مدن مثل نيويورك، حيث تعيش أكبر جالية يهودية خارج إسرائيل، بدأ السؤال الأخلاقي يطرح بصوت عالٍ: هل يمكن الدفاع عن القيم الليبرالية والإنسانية، وفي الوقت ذاته تبرير القصف والقتل الجماعي؟

ما يثير الإعجاب في تجربة ممداني أنه لم يكتفِ بالشعارات، بل قدّم نموذجا سياسيا بديلا يقوم على القرب من الناس. ففي مشاريعه الأولى بعد الفوز، أعلن خططا للنقل العام المجاني، وبرامج لرعاية الأطفال والتعليم العام الممول من ضرائب الشركات الكبرى

الجيل اليهودي الجديد

الشباب اليهودي في نيويورك، جيل الجامعات ومنصات التواصل، وجد في خطاب ممداني مساحة للتعبير عن اضطرابه الداخلي. لم يرَ في انتقاده لإسرائيل عداء لليهود، بل نوعا من الصدق الأخلاقي الذي يطالب بالمحاسبة والمساواة. وهذا التحول الجيلي، الذي تعززه دراسات الرأي الأخيرة، يشير إلى تصدع في الجدار التقليدي الذي حمى إسرائيل من النقد داخل الساحة الأميركية.

منذ لحظة إعلانه ترشحه، لم يكن طريق ممداني سهلا؛ فقد تعرض لهجوم شرس من الإعلام اليميني، ومن شخصيات سياسية نافذة اتهمته بالتطرف ومعاداة السامية، فقط لأنه قال ما لم يجرؤ غيره على قوله: إن على نيويورك أن تكون مدينة العدالة لا الانتقائية، وإنها لا يمكن أن تدّعي الحرية بينما تغضّ الطرف عن جرائم ترتكب باسم "الدفاع عن النفس". هذا الخطاب الجريء أثار حفيظة اللوبيات التقليدية، لكنه في الوقت ذاته أيقظ ضميرا جمعيا جديدا.

ما يثير الإعجاب في تجربة ممداني أنه لم يكتفِ بالشعارات، بل قدّم نموذجا سياسيا بديلا يقوم على القرب من الناس. ففي مشاريعه الأولى بعد الفوز، أعلن خططا للنقل العام المجاني، وبرامج لرعاية الأطفال والتعليم العام الممول من ضرائب الشركات الكبرى.

بدا خطابه اشتراكيا صادقا، لا مزايدة إعلامية، والأهم أنه كسر الحاجز النفسي الذي كان يفصل بين الاشتراكية والوعي الأميركي العام.

يبدو فوز ممداني جزءا من موجة عالمية أوسع من السخط الشعبي على النخب المالية والسياسية. لكنه، في الحالة الأميركية، يأخذ بعدا إضافيا، لأن نيويورك كانت دائما رمزية للنظام الاقتصادي العالمي

الاشتراكية في معقل الرأسمالية

قبل ثلاثين عاما فقط، كانت كلمة "اشتراكي" في المخيال الأميركي تعادل "عدو الأمة". في التسعينيات، كانت واشنطن تتباهى بأنها دفنت الاشتراكية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. لكن اليوم، في عام 2025، يفوز مرشح اشتراكي بمنصب عمدة نيويورك، في قلب النظام الذي حارب الاشتراكية وشيطن رموزها لعقود!

هذه ليست مصادفة، بل نتيجة تحولات اقتصادية واجتماعية عميقة: تفاقم الفقر، وتراجع الطبقة الوسطى، وفقدان الثقة بالمؤسسات المالية، وتآكل "الحلم الأميركي" الذي لم يعد أبناء الجيل الجديد بشيء سوى الديون والقلق.

من هذا المنظور، يبدو فوز ممداني جزءا من موجة عالمية أوسع من السخط الشعبي على النخب المالية والسياسية. لكنه، في الحالة الأميركية، يأخذ بعدا إضافيا، لأن نيويورك كانت دائما رمزية للنظام الاقتصادي العالمي، وإن انتخاب اشتراكي فيها يعني أن شيئا في روح هذا النظام بدأ يتغير.

وربما لهذا السبب جاءت ردود الفعل ضده بهذه الحدة؛ فالهجمات الإعلامية، وحملات التشويه، والتهديدات، كلها تعكس قلق المؤسسة من أن يتحول ممداني إلى نموذج ملهِم لمدن أميركية أخرى.

إعلان

في المقابل، خرجت تظاهرات مؤيدة له من طلاب الجامعات ونشطاء حقوق الإنسان، بل وحتى من بعض الكنائس والمعابد التقدمية، التي رأت في مواقفه صرخة ضمير في زمن الصمت.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان