سوريا الجديدة بين مشروع الدولة الموحدة ومخططات التقسيم

آلاف السوريين في ساحة الأمويين بدمشق اليوم احتفالا بجمعة التحرير
الكاتب: بعد أربعة عشر عاما يعود الهتاف الأول ليصدح من جديد: "واحد واحد واحد.. الشعب السوري واحد" (الجزيرة)
  • سوريا الجديدة بين أم الولد وزوجة الأب.. صراع البقاء بين وطن جامع ومشاريع التقسيم
  • الأكثرية: حارسة الوحدة الوطنية وأمانة الشهداء

تحول الصراع في سوريا من ثورة ضد الدكتاتورية إلى معركة وجودية بين مشروعين متناقضين. فالأكثرية السورية، التي دفعت ثمنا باهظا تجاوز مليون شهيد في مواجهة نظام الأسد، تتمسك بمشروع "سوريا الجديدة" الموحدة، وتعد نفسها الحارس الأمين للهوية الوطنية الجامعة وأمانة دماء الشهداء.

انطلقت الثورة في جوهرها حركة وطنية تطالب بالحرية والكرامة للجميع. ومنذ البدايات، عبّرت الساحات عن ذلك بوضوح في الهتاف الجامع: "واحد واحد واحد… الشعب السوري واحد". وقد تحملت الأكثرية العبء الأكبر في مواجهة آلة القتل الأسدية، لا دفاعا عن هويتها فحسب، بل دفاعا عن فكرة الدولة السورية الموحدة.

هذا التمسك بالوحدة نابع من إدراك عميق أن قوة سوريا تكمن في وحدتها الجغرافية والبشرية، وأن أي مشروع تقسيم هو خيانة صريحة لدماء الشهداء ولحلم الدولة المدنية القائمة على المواطنة المتساوية.

لقد كان نظام الأسد، القائم على سلطة أقلوية، ينظر إلى الأكثرية بوصفها "هوية صامتة" تُهمَش سياسيا، مع الإبقاء على دورها الاجتماعي والثقافي في أدنى حدوده.

وعندما ثارت هذه الأكثرية، كان هدفها استعادة دورها الطبيعي في بناء وطن لا يقوم على الغلبة الطائفية، بل على مفهوم الدولة الجامعة. لذلك ترفض، بشكل قاطع، أي محاولة لتفتيت البلاد إلى دويلات طائفية أو عرقية متناحرة، وتعد نفسها حارسة الهيكل السوري في مواجهة مشاريع التشرذم، الداخلية والخارجية.

جوهر الإشكال يكمن في رفض فكرة "المواطن الطبيعي"؛ فهم لا يريدون أن يكونوا مواطنين متساوين ضمن دولة قانون، بل يصرون على موقع "الشريك الحاكم بالقوة"، مستغلين هشاشة الدولة لفرض وقائع تخدم مصالحهم الضيقة على حساب وحدة الوطن

الأقليات الانتهازية: عقدة فقدان الامتيازات ورفض المواطنة

في المقابل، تجسد بعض الأقليات المتحالفة مع السلطة دور "زوجة الأب" أو "الخالة الانتهازية". فهذه النخب، التي ارتبطت مصالحها ببنية نظام الأسد، فقدت امتيازاتها في نهب الثروات والاستحواذ على السلطة، فسارعت إلى التحالف مع قوى خارجية لضمان استمرار نفوذها عبر اقتطاع أجزاء من الجسد السوري.

هذا التحالف لم يكن نابعا من خوف وجودي حقيقي، بقدر ما كان مدفوعا بمصلحة مباشرة في استمرار نظام يضمن لهذه النخب نفوذا وسلطة وثروة لا تستحقها ديمغرافيا أو سياسيا في أي نظام ديمقراطي حقيقي.

إعلان

جوهر الإشكال يكمن في رفض فكرة "المواطن الطبيعي"؛ فهم لا يريدون أن يكونوا مواطنين متساوين ضمن دولة قانون، بل يصرون على موقع "الشريك الحاكم بالقوة"، مستغلين هشاشة الدولة لفرض وقائع تخدم مصالحهم الضيقة على حساب وحدة الوطن.

يتجلى هذا الرفض للمواطنة في بناء مليشيات على أسس طائفية، تضمن ولاءها للطائفة لا للوطن، وفي صعود أمراء حرب ورجال أعمال وتجار ممنوعات جدد، سيطروا على مفاصل اقتصاد الحرب، محولين مناطق نفوذهم إلى إقطاعيات خاصة تُدار بمنطق الغلبة والقوة، بعيدا عن أي قانون أو شرعية وطنية.

هم مستعدون لحرق سوريا بأكملها مقابل الاحتفاظ بسلطتهم داخل كانتون صغير، مبررين التقسيم والتحالف مع الأجنبي بذرائع واهية

رجال الدين: ورثة فكر البعث البائد وتبرير التقسيم

يزداد المشهد قتامة مع دخول بعض رجال الدين على خط الصراع، حيث يتحول الدين إلى أداة للتحريض والتقسيم، لا للهداية ولم الشمل. فخطاباتهم تخلو من أي تصور للوطن الجامع؛ إذ يصبح الوطن عندهم حدود الطائفة، والغاية حكم هذه الطائفة بالحديد والنار.

هؤلاء يمارسون، عمليا، دور ورثة فكر حزب البعث البائد في الإقصاء وتقديس القائد، لكنهم يستبدلون "القائد الخالد" بزعيم طائفي أو قائد مليشيا مقدس. لا يعنيهم الوطن بقدر ما يعنيهم الحكم، وهو الشعار غير المعلن الذي يحكم تصرفاتهم.

هم مستعدون لحرق سوريا بأكملها مقابل الاحتفاظ بسلطتهم داخل كانتون صغير، مبررين التقسيم والتحالف مع الأجنبي بذرائع واهية. ويهدف هذا الخطاب الطائفي الضيق إلى إضفاء شرعية زائفة على العنف، وتعميق الانقسام، وتوفير غطاء أيديولوجي للمشاريع الانفصالية، ما يضع عبئا إضافيا على المواطن السوري العادي، الممزق أصلا بين سرديات متناقضة.

الخلاص يكمن في عقد اجتماعي جديد قوامه المواطنة المتساوية: لا امتيازات طائفية ولا عرقية. وتقوم الدولة المنشودة على أساس الحقوق والواجبات المتساوية، باعتبارها الرد الوحيد على مشاريع التقسيم

الحل: العقد الاجتماعي والمواطنة المتساوية

المواطن السوري العادي -"الولد"- يعيش حالة خوف دائم من العودة إلى الوراء، ممزقا بين حنينه إلى "الأم" وواقع فُرض عليه من "زوجة الأب". ولا مخرج من هذه المأساة إلا بمواجهة حتمية لا تقبل المساومة على وحدة سوريا.

يجب أن ينطلق أي حل سياسي مستقبلي من مبدأ وحدة الأراضي السورية بوصفه خطا أحمر غير قابل للتفاوض، مع رفض أي شكل من أشكال الحكم الذاتي الذي يؤسس، عمليا، للتقسيم.

بناء سوريا الجديدة يتطلب نزع سلاح المليشيات، وتفكيك بنى الاستبداد، وحصر السلاح بيد جيش وطني واحد. كما يتطلب، وهو الأهم، تطبيق عدالة انتقالية حقيقية، ومحاسبة كل من أجرم بحق السوريين، سواء من نظام الأسد أو من أمراء الحرب وقادة المليشيات الانفصالية.

الخلاص يكمن في عقد اجتماعي جديد قوامه المواطنة المتساوية: لا امتيازات طائفية ولا عرقية. وتقوم الدولة المنشودة على أساس الحقوق والواجبات المتساوية، باعتبارها الرد الحقيقي والوحيد على مشاريع التقسيم.

لمن ستكون سوريا؟

تقف سوريا اليوم بين مشروعين متناقضين: مشروع الدولة الوطنية الموحدة، الذي تتبناه الأكثرية وتدافع عنه، وتسعى إليه القوى الوطنية الحريصة على مستقبل البلاد، ومشروع الدويلات الطائفية والعرقية الذي تروج له أقليات انتهازية بالتحالف مع الخارج.

سوريا الجديدة لن تكون إلا سوريا لكل السوريين: دولة قانون ومؤسسات، لا مكان فيها لمن يرفض أن يكون مواطنا طبيعيا على قدم المساواة مع الآخرين. إنها أمانة مليون شهيد، ومستقبل الوطن مرهون بانتصار إرادة الوحدة على مشاريع التشرذم.

إعلان

وبعد أربعة عشر عاما، يعود الهتاف الأول ليصدح من جديد: "واحد واحد واحد.. الشعب السوري واحد".

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان