- بين "بزّة" الطفولة و"مسيّرات" الموت.. عن أي استقلال نتحدث؟
منذ نعومة أظفارنا، كنا نمارس طقوسا اعتقدنا، لسنوات طويلة، أنها تعبير عن سيادة ناجزة ووطن نهائي. كنا أطفالا ننتظر الـ22 من نوفمبر/تشرين الثاني لنرتدي زيّ الجيش المرقّط بفخر، ونُلبسه اليوم لأولادنا في المدارس كإرث لا نقاش فيه.
كانت الشرفات تزدان بالعلم الذي تتوسطه الأرزة الخضراء، وكانت الحكايا المدرسية تملأ رؤوسنا عن بطولات رجال ضحّوا لانتزاع هذا العلم من براثن الانتداب، وكيف استبدلنا ألوان المستعمر الفرنسي برايتنا الحالية. كانت تلك "سردية البراءة" التي عشنا عليها، وكان الحلم يبدو ناصعا كثلج صنين.
لكننا كبرنا، وكبرت معنا الحقيقة الموجعة التي بات من الصعب تجاهلها: نحن لم نعش استقلالا حقيقيا يوما منذ بزوغ فجر هذا الكيان. اكتشفنا، مع مرور السنوات والقهر، أننا انتقلنا من وصاية إلى أخرى، ومن احتلال يرتدي قفازات دبلوماسية ناعمة إلى هيمنة عسكرية فجة، وسيادة منتهكة تحت رايات أمم مختلفة.
لقد تفتح وعينا السياسي والاجتماعي على حروب تتبعها حروب، وعلى انتدابات مقنّعة. من الانتداب الفرنسي الذي خطّ الحدود بقلمه، وصولا إلى حقبة "الوصاية السورية" الثقيلة، حين كنا -كما يذكر جيلي جيدا- "نصطبح ونتمسّى" بصورة "المقبور" وابنه، التي ملأت الساحات وصادرت قرارنا وكتمت أنفاسنا.
ولم ينتهِ الأمر عند هذا الحد، بل وجدنا أنفسنا محاصَرين بين أطماع العلم الصهيوني الذي يتربص بنا جنوبا، ونفوذ "الكاوبوي" الأميركي الذي يدير خيوط اللعبة من خلف البحار.
ولعل الأشد إيلاما من التدخل الخارجي، هو ما فعلناه نحن بأنفسنا في الداخل. لقد تآكلت تلك "الأرزة" التي رسمناها صغارا، لصالح غابة موحشة من رايات الأحزاب التي حجبت ضوء الشمس.
تكاد لا ترى السماء من كثافة الألوان الفئوية: من شعارات الصليب المعقوف، إلى الزوبعة الحمراء، مرورا برايات "الحزب" و"الحركة" الصفراء والخضراء، وغيرها من التيارات المتناحرة. لقد نسينا، أو بالأحرى أُنسينا عمدا، قدسية العلم اللبناني الجامع، ليصبح مجرد تفصيل صغير يضيع وسط هتافات الولاء للزعيم والطائفة والجهة.
اليوم، تحلّ ذكرى الاستقلال والوطن ليس بخير. بات الاحتفال شعورا مخادعا، بل وعبثيا يثير الغثيان في ظل هذا الواقع السوداوي. كيف نحتفل بالسيادة ونحن ننام ونصحو على أزيز "مسيّرات الموت" التي تحلق فوق رؤوسنا وتتحكم بمصائرنا؟ تلك الآلات الصماء التي يديرها مجرمو العصر بدم بارد، حوّلت سماءنا إلى مسرح رعب مفتوح، وجعلت من مفهومي "الحدود" و"الحماية" نكتة سمجة.
أي استقلال هذا الذي نحييه في وطن تحكمه "بقايا بشر" من طبقة سياسية امتهنت الذلّ وارتهنت للخارج؟ أي عيد هذا الذي يمرّ علينا ونحن نعيش على بقايا وطن، منهوب ومصلوب على خشبة الصراعات الإقليمية؟
إلى أن يتحقق الاستقلال "قولا وفعلا" في وطن النجوم، وإلى أن يعود العلم اللبناني ليكون الراية الوحيدة والعليا فوق كل الرايات، سنبقى قابضين على الجمر، ننتظر وطنا حقيقيا لا تحكمه المسيّرات، ولا تتقاسمه السفارات. وحتى ذلك الحين.. تصبحون على وطن.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

