عادة ما يُصاب الناس، أفرادا ومجتمعات، باللامبالاة عند التعرض لصدمة أو أزمة تفوق قدرتهم على إصلاحها، أو حين يكون التجاهل وعدم الاكتراث ناتجَين عن عدم فهم كافٍ يسمح بالتعامل الصحيح معها.
وهي ظاهرة خطيرة إذا ما أصابت مجتمعا بأكمله، تتكرس فيه النزعة الفردية والاتجاه الانعزالي لدى أفراده، على نحو يهدد أمنه المجتمعي؛ فالجميع لا يعبأ، والجميع يمضي بنمط حياة خاص لا يرغب في تغييره أو إصلاحه، وكأنه يرفع شعار: «ليذهب العالم إلى الجحيم».
ومن أخطر الصدمات التي يواجهها عالمنا اليوم، الصدمات المناخية والبيئية، التي تتوالى تداعياتها الكارثية أمام أعيننا كل يوم، لا غدا.
فالتلوث البيئي بلغ أخطر مستوياته في هوائنا ومياهنا وغذائنا، وانبعاثات الغازات الدفيئة تسجل أرقاما قياسية متصاعدة، وما يصاحبها من آثار نعيش مخاطرها اليوم؛ مثل تكرار الموجات الحارة وطول مدتها، وتزايد مواسم الجفاف وما تسببه من هلاك ودمار واسع للغابات، وللمحاصيل الإستراتيجية كالقمح، كما شهدنا مؤخرا في الهند.
ويُضاف إلى ذلك تسارع معدلات ذوبان الصفائح الجليدية في القطبين، حتى أوشكت على بلوغ نقاط حرجة تهدد بارتفاعات قياسية في مستويات البحار والمحيطات، وما قد يترتب عليها من غرق العديد من الجزر المحيطية والمدن الساحلية، ودمار الموائل الطبيعية التي تعيش فيها.
هذا فضلا عن مخاطر أخرى لا يمكن حصرها، تهدد بيئة كوكبنا بأكمله وأنظمته البيئية الهشة، وكلها صور باتت تتكرر يوميا في نشرات الأخبار، محملة بالأسى والأسف.
تقود بعض الحكومات والشركات عملية تضليل مناخي واسعة، تهدف إلى تبرئة أنشطتها الاقتصادية من أي مسؤولية بيئية أو مناخية
صدمة.. فإنكار.. فلامبالاة!
ومع تتابع هذه المشاهد والأخبار، يُصاب كثيرون بالصدمة، لا سيما أولئك الذين يعايشون بمرارة تداعيات التغيرات المناخية على بلدانهم، ويصبحون شهودا على دمار هائل في الأرواح والموارد الطبيعية والثروات، ومصادر أرزاقهم. فيُصاب بعضهم بالعجز عن التصرف، وبالإحساس بأنه لا مفر مما يحدث، ولا نملك سوى المشاهدة، بل والتكيف مع تداعيات حاضرة ومستقبلية محتومة.
ورغم أن الصدمات يُفترض بها أن تكون منبها للمجتمعات، ودافعا للتيقظ تجاه المخاطر واتخاذ التدابير اللازمة لمواجهتها، إن لم يكن لمنع وقوعها من الأساس، فإن السياسات العامة لبعض المجتمعات تفرض سياقا معينا تتحكم من خلاله في أجندات الإعلام، ومن ثم في «الوعي الجمعي» تجاه المخاطر البيئية والمناخية.
فهناك إدارات عاجزة بالفعل، كما في بعض الدول الجزرية الصغيرة في المحيطات، التي تتضاعف عليها فاتورة التغير المناخي من أعاصير وتطرفات طقسية تشل الحياة فيها.
بل إن بعض مناطق هذه الجزر غرقت بالفعل، وهنا تبرز مسؤولية المجتمع الدولي، وخصوصا الدول الكبرى التي تتحمل النصيب الأكبر من المسؤولية التاريخية عن الأنشطة المؤدية إلى التغير المناخي، في حماية هذه المجتمعات الهشة وغير القادرة على التكيف.
وفي المقابل، هناك مجتمعات أخرى لم تتضرر بعد بشكل مباشر، لكنها تُدار بسياسات غير مسؤولة، ورأسماليات نهمة لا تعبأ باستنزاف الموارد الطبيعية، ولا بآثار استخدام الوقود الأحفوري، المسؤول الأكبر عن الارتفاعات الكارثية في الغازات المسببة للاحتباس الحراري.
ومن هنا تقود بعض الحكومات والشركات عملية تضليل مناخي واسعة، تهدف إلى تبرئة أنشطتها الاقتصادية من أي مسؤولية بيئية أو مناخية.
نجد نمطا يتمثل في التعاطي السلبي مع أخبار الأزمات المناخية والبيئية وما تخلفه من دمار وكلفة بشرية واقتصادية هائلة، إذ يصيب البعض بالقنوط والعجز والاستسلام الكامل
بين الهلع المفرط وتجاهل الكارثة
تواجه مجتمعاتنا، في صراعها مع تحديات التغير المناخي وتهديداته الوجودية، أزمات مركبة، من بينها غياب التنوير العلمي ونقص الوعي البيئي لدى شرائح واسعة اعتادت أنماط حياة غير صديقة للبيئة.
وتُسهم هذه السلوكيات في تعقيد المشهد المناخي، فيما يبقى تغيير العادات وأنماط المعيشة تحديا نفسيا وسلوكيا يحتاج إلى وقت، ووعي متراكم، وتشريعات مناسبة، وربما عقوبات في بعض الأحيان.
يضاف إلى ذلك التضليل الذي تمارسه الشركات الرأسمالية المستفيدة من الاستهلاك المفرط واستخدام مصادر الطاقة الملوِثة والرخيصة، بدعم -مؤسف- من حكومات انتهازية، وهو ما وصفه الكاتب أنتوني لوينشتاين بـ«رأسمالية الكوارث».
كما نجد نمطا آخر يتمثل في التعاطي السلبي مع أخبار الأزمات المناخية والبيئية وما تخلفه من دمار وكلفة بشرية واقتصادية هائلة، إذ يصيب البعض بالقنوط والعجز والاستسلام الكامل.
وهو شكل من أشكال الهلع المفرط الذي يؤدي إلى ما يسميه بعض خبراء المناخ وعلم النفس بـ«خطر التكيف المناخي السلبي»، حيث نتعايش مع السلوكيات الضارة وكأننا عاجزون عن التغيير. وهذا أخطر أشكال اللامبالاة المناخية، لأنه هروب كامل وتنصل من المسؤولية الفردية والجماعية عن المشاركة في الحل، محليا وإقليميا ودوليا، وهو تجاهل كارثي بكل المقاييس.
المفترض لهذه الصدمات البيئية والمناخية أن توقظنا وتنبهنا إلى خطورة ما نفعله بالكوكب وأنظمته البيئية، لنقف ونتأمل، وندرك حجم الضرر الذي تسببه أنشطتنا وأنماط استهلاكنا المفرطة
بين الصدمة والإفاقة
أثارت ظاهرة اللامبالاة المناخية اهتمام عدد كبير من العلماء والمتخصصين والهيئات البحثية، في محاولة لفهم أسبابها وصورها المختلفة، والبحث عن سبل معالجتها. وسنناقش مقترحات العلاج في مقالات لاحقة، إذ اكتفينا في هذه المقالة بعرض ماهية الظاهرة وأسبابها فقط.
كان من المفترض لهذه الصدمات البيئية والمناخية أن توقظنا وتنبهنا إلى خطورة ما نفعله بالكوكب وأنظمته البيئية، لنقف ونتأمل، وندرك حجم الضرر الذي تسببه أنشطتنا وأنماط استهلاكنا المفرطة. فالصدمات بطبيعتها محفزات للانتباه، تساعد على إدراك الخطر، وتدفع إلى سرعة التصرف.
لكنها، وعلى نحو مخيف، أسهمت في خلق حالة واسعة من اللامبالاة تجتاح البشرية، تقودنا إلى ما يسميه الفيلسوف الفرنسي إدغار موران بـ«الهاوية» التي صنعناها بأيدينا. وسنعرض في مقالات قادمة صورا من الحلول المقترحة، تبدأ بالاعتراف النفسي بالظاهرة، وبناء الدافعية الفردية والجماعية لتحمل مسؤولية المواجهة.
كما تشمل ترسيخ الوعي الأخضر، وتعزيز ثقافة الاستدامة، وخلق عادات جديدة في أنماط حياتنا وخياراتنا الاستهلاكية، علنا نُنقذ كوكبا يئن مما نفعل به كل يوم، بكل «لامبالاة»، في كارثة تقتلنا في صمت.. بل وبصوت.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

