الترجمة كصوت للضحايا: نقل معاناة غزة إلى العالم!

تصميم خاص - الترجمة أمانة إنسانية تنطق بصوت من لا يُسمَ
الكاتبة: أدركت أن الترجمة ليست ترفًا لغويًا بل جسرٌ لا غنى عنه ليصل وجع هذا الجد إلى العالم (الجزيرة)
  • الترجمة أمانة إنسانية تنطق بصوت من لا يُسمَع

قد لا تُزين الترجمة دائما بأغلفة قصص جميلة، لكن هل جربت يوما أن تترجم شهادة ناجٍ من الموت؟ أو أن تحمل صوت طفل تحت الأنقاض إلى من هم بعيدون عن هذه الحقيقة؟ أن تكتب ما لا تلتقطه العدسات؟ أن تحول الصمت إلى كلمات يسمعها الجميع؟

كيف لنا أن ننقل هذه المشاعر؟ كيف لنا أن نترجم الألم الحقيقي خلف تلك الصور، وتلك الدموع التي لا تراها العدسات؟ كيف نترجم شهادات أولئك الذين عانوا وهُجروا؛ مكلومين، مظلومين، محاصَرين، مجوَعين، يباغتهم الموت حيثما مروا؟

كيف نترجم شعور العجز حين تدرك أن كل ما تملكه كلمة مواساة، في عالم انهار فوق قلب طفلة؟ صمتٌ أثقل من القذائف

لئلا يُروى نصف الحكاية فقط

أذكر أنني شاهدت يوما مقطع فيديو لجد يودع حفيدته بكلمات عابرة، وقد لاقى انتشارا واسعا على وسائل التواصل الاجتماعي. أغلب التعليقات كانت تسأل: «هل من أحد يترجم لنا ما يقول؟». كانوا متأثرين بالمشهد، لكنهم لم يفهموا كلماته.

عندها أدركت أن الترجمة ليست ترفا لغويا، بل جسرا لا غنى عنه ليصل وجع هذا الجد إلى العالم؛ فأن يُترجَم صوته يعني أن يعيش الآخرون القصة كاملة، لا نصفها.

صوت لا يُنسى: مرح بين الأنقاض

في شمال غزة، حيث يتسابق الموت ليخطف ما تبقى من الصمود، ظهر وجه طفلة لا تعرف معنى الفقد بعد؛ «مرح»، التي لم تتجاوز عشر سنوات. باغَتَتْهم غارة إسرائيلية حصدت أرواح عائلتها، ودفنتها تحت أنقاض بيتها لساعات طويلة.. ثماني ساعات كاملة بين الركام. جسد صغير يصارع الخوف والموت، تتداخل أنفاسه مع رائحة الغبار.

حين وصل رجال الإنقاذ، ناداها أحدهم بصوت مرتجف: «اصبري يا مرح… وصلتكِ يا عمو، رح نطلعكِ». لكنها همست بكلمات متقطعة: «بحكي مع أمي».. وكانت أمها قد فارقت الحياة.

أي لغة تستطيع أن تنقل دموع رجل الإنقاذ؟ أي لغة تستطيع أن تشرح ذلك الشعور حين يقول رجل لطفلة صغيرة: «شو بتحكيلكِ يا مرح؟»؛ فتُجيبه: «بتحكيلي أنا بالجنة يا ماما»؟

إعلان

كيف نترجم شعور العجز حين تدرك أن كل ما تملكه كلمة مواساة، في عالمٍ انهار فوق قلب طفلة؟ صمتٌ أثقل من القذائف.

أؤمن بأنه من الضروري ألا يكتفي العالم برؤية الدمار، بل أن يشعر بالقصص الإنسانية خلفه من خلال كلماتنا؛ أن أكون جسرا بين وجع بلادي وصوت العالم، بين الواقع الصامت والأصوات التي تتوق لأن تُسمَع

من طالبة ترجمة إلى شاهدة حية على توثيق الألم

دفعني هذا المشهد إلى ترجمته؛ أردت أن يرى العالم الحقيقة كما سمعناها نحن. بدأت أكتب، لكن شعورا بالخوف راودني: كيف يمكنني أن أحول هذه المأساة إلى كلمات؟ كيف أنقل رجفة الصوت، والدموع المدفونة بين الحروف، والصمت الثقيل؟

تحول دوري من طالبة تترجم نصوصا في قاعة المحاضرة إلى شاهدة تترجم صرخات الأمهات، وصمت الأطفال، وأنفاس المهجرين الثقيلة إلى كلمات… لعل العالم كله يستطيع أن يفهمها.

الكلمات جسر بين غزة والعالم

أؤمن أنه من الضروري ألا يكتفي العالم برؤية الدمار، بل أن يشعر بالقصص الإنسانية خلفه من خلال كلماتنا؛ أن أكون جسرا بين وجع بلادي وصوت العالم، بين الواقع الصامت والأصوات التي تتوق لأن تُسمَع. قد يُهدَم المبنى، وقد يسكت الصوت، لكن الأمل لا يفنى.

حين تصبح الترجمة مقاومة

لم تعد الترجمة ترفا أو مجرد هواية كما كانت في الماضي، بل أصبحت وسيلة للبقاء، وشكلا من أشكال المقاومة في وجه محاولات الإلغاء. من خلالها نسعى لإيصال صوتنا إلى العالم، وكشف وحشية المحتل.. نترجم لنفضح الحقيقة، ونحافظ على أثر وجودنا، ونُثبت أننا ما زلنا حاضرين رغم كل محاولات المحو.

في كل حرف أكتبه، أحاول أن أنقذ صوتا من الصمت، أن أبقي ذكرى حية، وأن أقول للعالم: نحن هنا رغم الركام، ما زلنا نحلم، نروي، ونترجم وجعنا إلى كلمات؛ فالصوت الذي لا يُسمَع قد يكتبه من نجا، وأنا اخترت أن أكون هذا الصوت

كي تصل رسالتي إلى كل قلب في العالم

طريقٌ مليء بالتحديات ورثناه من هذه الحرب، ومع ذلك يبقى المستقبل بالنسبة لنا وعدا نتمسك به ونرسم ملامحه؛ فلا يمكن لأحد أن ينتزع الحلم من داخلنا. نحن جيلٌ تعلم أن يدون دروسه وسط النزوح، وهذا ما يجعلنا نؤمن بأن الغد سيكون امتدادا لصمودنا لا لنهايتنا.

لكنني هنا محملة بقلم ينطق صوت غزة على مسمع العالم. رغم كل الصعوبات، سأمسك بحلمي؛ لا أريد أن أنجو فقط، بل أن أبقى في قلبها. أترجم جروح المكلومين، وأروي قصصهم للناس الذين لا يفهمون ما معنى أن تكون القذيفة في منزلك، وما معنى أن تبقى تحت ركام بيتك لأيام، أن تنجو بمفردك وتفقد عائلتك كلها، وما معنى أن تصبح الكلمات السبيل الوحيد لإسماع العالم من حولك.

في كل حرف أكتبه، أحاول أن أنقذ صوتا من الصمت، أن أبقي ذكرى حية، وأن أقول للعالم: نحن هنا رغم الركام، ما زلنا نحلم، نروي، ونترجم وجعنا إلى كلمات؛ فالصوت الذي لا يُسمَع قد يكتبه من نجا، وأنا اخترت أن أكون هذا الصوت.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان