- الأغنية ودلالاتها المرحلية.. "وين ع رام الله"
لطالما اعتُبر الفن لغة الشعوب، ولعلنا نستطيع الإضافة هنا أن الفن في عالمنا العربي هو لغة السياسة والواقع السياسي أيضا، بالإضافة لكونه لغة الشعوب، بل أصبح في بعض الأحيان كذلك أداة من أدوات السلطة السياسية.
وهناك العديد من الأمثلة في الوطن العربي لفنانين وفرق موسيقية نقلت الواقع السياسي والمعيشي للمواطن العربي عبر الكلمة والصوت واللحن، مثل أغاني سيد إمام من مصر، وفرقة "ناس الغيوان" من المغرب، وغيرهما.
تعتبر هذه الأغنية من الأغاني الملتزمة بكلماتها الصادقة، التي تحكي قصة الإنسان وحكاية المكان، وهذا تعبير عن الالتزام الأخلاقي للشعوب الذي يظهر من خلال الفن، خلافا لما نشهده الآن في كثير من الأعمال الفنية
ليس الهدف من المقالة عرضا لقصة نشوء أغنية "وين ع رام الله" بقدر ما هو توصيف للحالة التي أنتجت هذه الأغنية؛ التي ما زال لها نفس الحضور والتفاعل لدى الجمهور منذ ستينيات القرن الماضي.
لكن نقول بإيجاز لمن لا يعرف قصة نشوء الأغنية إنها أغنية تراثية فلسطينية، فيها عرض لحوار بين أب وابنه، وكانت- على أغلب الروايات- "وين ع باب الله"، فجاءت إعادة إنتاجها بكلمات للشاعر رشيد زيد الكيلاني، وتلحين للملحن جميل العاص، وغناء الفنانة سلوى العاص، لتصبح "وين ع رام الله".
الأغنية هي تعبير عن الواقع السياسي والفكري والحضاري للشعوب، ومن هنا جاءت أغنية "وين ع رام الله".. ربما لم يدر في خلد الشاعر رشيد زيد الكيلاني، الذي كتب كلمات الأغنية، أن رام الله بعد سنوات قليلة من كتابته لهذه الأغنية ستصبح محتلة من قبل العدو الصهيوني. إذًا، لماذا كانت رام الله ولم تكن غيرها؟
لطالما عرف الشعب الأردني فلسطين وعرفته هي، كذلك عرفها بوصفها قبلته الأولى وقضيته المركزية، وما زال الجيش الأردني يردد في نشيده "يا قدس يا شمس الهدى أرواحنا لك الفدى"
كانت مدينة رام الله في ذلك الوقت تحت الإدارة الأردنية، ولم تكن قد احتُلت بعد، حيث خسر الأردن ضفته الغربية نتيجة هزيمة الجيوش العربية في حرب 67، مما يعني أنه لم يكن هناك لمدينة رام الله ذلك الحنين والاشتياق، الذي يشعر به المرء نتيجة الفقد والخسارة للوطن لأي سبب كان.
وحتى سياق اللحن لم يكن يتطلب إدراج كلمة "رام الله"، وإنما قد يكون الدافع لذلك هو الشعور بالانتماء والحب والوفاء لأرض فلسطين، والإدراك العميق لتداعيات القضية الفلسطينية منذ النكبة، والتعبير عن التلاحم الوجداني والروحي بين الشعبين الأردني والفلسطيني، وأن المواطن الأردني يتغنى برام الله والقدس، كما يتغنى بالسلط والكرك وغيرهما من المدن الأردنية.
وما زال بعض الأردنيين يذكرون صوت مدفع القدس عند موعد إفطار رمضان، ونعلم أن مدنا أردنية ارتبطت أسماؤها بمدن فلسطينية، مثل ارتباط السلط بنابلس؛ بسبب التشابه المعماري بينهما، وارتباط الكرك بمدينة الخليل؛ بسبب العلاقات التجارية التي كانت تربط بين المدينتين؛ فنرى كثيرا من العائلات والعشائر في مدينة الكرك هي في أصلها عائلات خليلية، أو جدها الأول من أصول خليلية، وكذلك ارتباط عمان بالقدس والعقبة وأريحا.
ليس هذا فحسب، فلطالما عرف الشعب الأردني فلسطين وعرفته هي، كذلك عرفها بوصفها قبلته الأولى وقضيته المركزية، وما زال الجيش الأردني يردد في نشيده "يا قدس يا شمس الهدى أرواحنا لك الفدى".
وعرفته في معارك باب الواد واللطرون وكذلك معركة الحي اليهودي، ومعركة النوتردام، ومعركة حي مشيرم، ومعركة الشيخ جراح، ومعركة رأس كركر، ومعركة يالو، ومعارك البرج، وتل الرادار، وخراب اللحم، وعرطوف، وقوله، ورامات راحيل، وعراق سويدان.
تعتبر هذه الأغنية من الأغاني الملتزمة بكلماتها الصادقة، التي تحكي قصة الإنسان وحكاية المكان، وهذا تعبير عن الالتزام الأخلاقي للشعوب الذي يظهر من خلال الفن، خلافا لما نشهده الآن في كثير من الأعمال الفنية من انحدار أخلاقي للكلمة واللحن والأداء.. ولا ننسى الأداء المتميز والصوت الرائع للفنانة القديرة سلوى العاص، والذي يضاف إلى أسباب انتشار الأغنية.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
