- من السودان إلى فلسطين.. أطلس الخراب العربي
في كل مرة تشتعل فيها حرب جديدة في العالم العربي، نكتشف أننا لا نملك ترف المفاجأة؛ كأن التاريخ ينسخ نفسه بتقنية باردة لا تُخطئ، فيعيد المشهد ذاته بأسماء مختلفة.
حين نطلّ على السودان اليوم، نرى أكثر من مأساة دولة تبتلعها البنادق؛ نرى انعكاسا لوجه فلسطين في مرآة أخرى، وجه أمة تتعرّى من المعنى شيئا فشيئا، وتتعلم أن الألم هو اللغة الوحيدة التي لا تحتاج إلى ترجمة. ما يحدث في السودان ليس حدثا طارئا، بل امتدادا لمسار طويل من الانهيار العربي المتدرّج.
في السودان كما في فلسطين، الجريمة ليست فقط في عدد القتلى، بل في تكرار النمط: نُسحق ثم يُقال إننا أطراف نزاع، نُهَجَّر ثم تُعقد المؤتمرات بحثا عن "حل إنساني"، تُستباح مدننا ثم تُختصر في النشرات كأرقام باهتة
الخرطوم التي كانت تُلقّب بـ"عاصمة اللاءات الثلاث" -لا صلح، لا اعتراف، لا تفاوض- تغدو اليوم مسرحا لفوضى بلا لاءات، حيث يُباع الوطن في المزاد وتُشترى الولاءات بثمن الدم. ومن هناك يمتد الخيط إلى غزة، المدينة التي تتقن البقاء على قيد الرماد، وتعيد صياغة معنى الوجود كلما قرر العالم دفنها من جديد.
كأن الخرطوم وغزة تتبادلان الأدوار في دورة لا تنتهي: الأولى تحترق من الداخل، والثانية تُقصف من الخارج، وفي الحالتين تُكتب القصة ذاتها، قصة الشعوب التي تُركت وحدها في مواجهة مصير صُمّم لها سلفا. بين المليشيا والاحتلال، بين التفكك والتجريف، تتشابه الأدوات وإن اختلفت الرايات؛ كلاهما يحاول قتل الفكرة قبل الجسد، وطمس الذاكرة قبل المدينة.
في السودان كما في فلسطين، الجريمة ليست فقط في عدد القتلى، بل في تكرار النمط: نُسحق ثم يُقال إننا أطراف نزاع، نُهَجَّر ثم تُعقد المؤتمرات بحثا عن "حل إنساني"، تُستباح مدننا ثم تُختصر في نشرات الأخبار كأرقام باهتة.
والأنكى أننا نحن من نحفظ أسماء المدن لا العواصم، نحفظ المخيمات لا الدول، نحفظ المآسي لا الانتصارات! هذه هي المعضلة التي تصنعها الحروب المتكررة حين تفقد الأمة قدرتها على الدهشة، فتعيش في حالة استسلام ناعم لمشهد صار اعتياديا.
ومع ذلك، ما زال شيء ما يقاوم تحت الركام؛ في كل بيت سوداني دُمّر، وفي كل بيت فلسطيني صمد، يولد نوع جديد من الوعي، وعي لا يشبه الخطابات السياسية ولا البيانات الرسمية، وعي الناس الذين فهموا أن النجاة ليست غاية فردية بل شكلا من أشكال المقاومة.
فحين يصرّ السوداني على العودة إلى أرضه بعد نزوح مرير، وحين يزرع الفلسطيني شجرة على ركام بيته، فإن كليهما يعيد تعريف الكرامة بلغة أعمق من الشعارات.
حين يُعاد رسم العالم على مقاس القوة، سيبقى هناك دائما من يكتب ضد النسيان، من يذكّر بأن الخرطوم لم تكن يوما هامشا، وأن غزة ليست مجرد عنوان للألم
لقد صار الخراب العربي هو المسرح الذي تُختبر عليه قدرة الإنسان على البقاء إنسانا. وحين ننظر من غزة إلى السودان، لا نرى مسافة بل نرى استمرارا… هذا هو الوجع الذي يوحّدنا أكثر مما فرّقتنا الحدود. وربما هنا تكمن المفارقة الكبرى: أن تتشابه نهاياتنا إلى الحد الذي يجعلنا ندرك أننا جميعا في الفصل ذاته من الرواية، لكننا لم نقرأ العنوان بعد.
إن فلسطين لم تعد مجرد جرح قومي، والسودان لم يعد حربا أهلية عابرة؛ كلاهما صار سؤالا عن معنى أن تكون عربيا في زمن السقوط البطيء، وكلاهما يختبر صبر العالم وحدوده الأخلاقية، ويعيد تعريف فكرة "الإنسان" في مواجهة الخراب. ومع أن الخرائط تفرّق بينهما، فإن الصوت الذي يخرج من بين الركام واحد: نحن هنا، ما زلنا نحيا، وما زلنا نروي.
وفي النهاية، حين يُعاد رسم العالم على مقاس القوة، سيبقى هناك دائما من يكتب ضد النسيان، من يذكّر بأن الخرطوم لم تكن يوما هامشا، وأن غزة ليست مجرد عنوان للألم. ستبقى كل مدينة تحترق شاهدا على أخرى تنبض؛ فالعالم العربي-مهما تبدّد- ما زال جسدا واحدا ينهض من بين الحرائق، يجرّ خلفه ذاكرة لا تموت، وإصرارا على الحياة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

