لم تكن سنة 1948 مجرد لحظة إعلان قيام إسرائيل، بل كانت لحظة اكتمال مشروع معرفي ومؤسسي مهد للدولة قبل قيامها بعقود.
فالمؤسسات التعليمية، التي أنشأتها الحركة الصهيونية منذ بدايات القرن العشرين، شكلت النواة الفكرية والعلمية للمشروع الاستعماري في فلسطين.
تأسس معهد "التخنيون" عام 1912، وتبعه "معهد وايزمان" والجامعة العبرية في القدس، لتكون هذه الصروح أكثر من مجرد جامعات؛ كانت مصانع لإنتاج المعرفة المسخرة لخدمة التفوق العسكري، والهندسة السكانية، والسيطرة على الأرض والإنسان معا.
عندما مثلت إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي عام 2024 بتهمة ارتكاب الإبادة الجماعية في غزة، لم تكن دفاعاتها القانونية من إنتاج وزارة الخارجية وحدها، بل جاءت بإشراف مباشر من جامعة تل أبيب
المعرفة في خدمة الاحتلال
منذ نشأتها، لم تنفصل الجامعات الإسرائيلية عن المشروع الأمني والعسكري للدولة؛ فـ"التخنيون"، الذي يعد مفخرة الصناعات التكنولوجية الإسرائيلية، لعب دورا محوريا في تطوير منظومات المراقبة والطائرات المسيرة والتقنيات العسكرية الدقيقة، بينما تحولت "جامعة تل أبيب" إلى أحد مراكز التفكير الإستراتيجي التي تمد جيش الاحتلال بتصورات الحرب والسيطرة.
لكن الأهم من الأبحاث العسكرية المباشرة هو الدور الأكثر خفاء والأعمق أثرا: شرعنة التمييز والفصل العنصري عبر أدوات العلم والخطاب الأكاديمي.
عنصرية مغطاة بعباءة البحث
الجامعة العبرية في القدس مثال فاضح على ذلك.. فعلى موقعها الرسمي، تُظهر نفسها كمؤسسة تعنى بـ"دعم الفئات المهمشة" من الأطفال والنساء، لكنها في الواقع تشارك في ترسيخ نظام التمييز ضد الفلسطينيين في القدس والداخل.
تشير تقارير جمعية "سيكوي" (2010) إلى أن الأطفال العرب في إسرائيل أقل حصولا على خدمات الرعاية الاجتماعية مقارنة باليهود، بنسبة تصل إلى النصف.
وفي حين اعترفت وزارة الرفاه الإسرائيلية بوجود فجوات ممنهجة، فإن الجامعات لم تسعَ لتفكيكها، بل ساهمت في إعادة إنتاجها معرفيا عبر أبحاث تبرر الفوارق باعتبارات "ثقافية" و"سلوكية".
وفوق ذلك، أقيمت الجامعة العبرية على جبل المشارف، في موقع إستراتيجي يشرف على القرى الفلسطينية في شمال شرق القدس، لتكون حضورا استعماريا صريحا في قلب المدينة المحتلة.
كما تؤكد الباحثة مايا ويند أن مكتبة الجامعة تضم آلاف الكتب المنهوبة من مكتبات الفلسطينيين بعد نكبة 1948، لتصبح المعرفة نفسها نتاجا للنهب.
لم تكتفِ جامعة تل أبيب بالمرافعة عن الدولة، بل نظمت ندوات علنية استضافت جنودا شاركوا في الحرب على غزة، وقدمتها لطلابها الدوليين بوصفها "فرصا للتعلم من التجربة العسكرية"
الإنكار الأكاديمي للإبادة
عندما مثلت إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي عام 2024 بتهمة ارتكاب الإبادة الجماعية في غزة، لم تكن دفاعاتها القانونية من إنتاج وزارة الخارجية وحدها، بل جاءت بإشراف مباشر من جامعة تل أبيب.
قاد فريق الدفاع البروفيسور إيال بنفنستي- أحد أبرز وجوه الجامعة- بمشاركة خريجين آخرين، عملوا على صياغة خطاب إنكاري ينكر الطابع الإبادي للحرب، ويحول الضحايا إلى "أضرار جانبية".
بذلك، انتقلت الجامعات من ميدان البحث إلى ميدان التبرير القانوني للقتل الجماعي، لتصبح شريكا مؤسسيا في الإبادة نفسها.
التجنيد الأكاديمي والتسويق الأخلاقي
لم تكتفِ جامعة تل أبيب بالمرافعة عن الدولة، بل نظمت ندوات علنية استضافت جنودا شاركوا في الحرب على غزة، وقدمتها لطلابها الدوليين بوصفها "فرصا للتعلم من التجربة العسكرية".
في تلك الندوات، جرى تشجيع الطلبة على الانخراط في الجيش باعتباره جزءا من "التكامل المجتمعي"، وهو ما يكشف البعد التربوي للمنظومة العسكرية داخل الحرم الجامعي.
ما تكشفه هذه الوقائع أن المعرفة لم تعد محايدة في الحالة الإسرائيلية، بل تحولت إلى أداة من أدوات القتل المنظم؛ فالجامعة- التي يفترض أن تكون مساحة حرية وبحث- غدت مؤسسة تجنيد وتبرير واستعمار ناعم
الجامعات كجسر للتطبيع
وفي موازاة دورها الداخلي، تسعى الجامعات الإسرائيلية إلى إعادة تدوير صورتها عالميا عبر بوابة التعاون الأكاديمي العربي. فقد وقّعت جامعة حيفا اتفاقيات مع عدد من مراكز الأبحاث والجامعات في المنطقة.
هذه الاتفاقيات، التي تروَّج على أنها مبادرات "تعايش وتسامح"، ليست سوى واجهات لتطبيع ناعم يقدم إسرائيل كدولة معرفة متقدمة، بينما يُغسل وجهها من دماء الفلسطينيين.
المعرفة كأداة للمقاطعة
على الضفة الأخرى، تتسع حركة المقاطعة الأكاديمية (BDS) التي انطلقت عام 2004 لتسجل عام 2025 ارتفاعا في معدلات المقاطعة بنسبة 66% وفق صحيفة تايمز أوف إسرائيل.
فقد باتت الأدلة على اشتراك الجامعات في آلة الاحتلال والإبادة أوضح من أي وقت مضى؛ ولعل أبرزها "خطة الجنرالات" التي صاغها الباحث والجنرال المتقاعد جيورا إيلاند في "معهد دراسات الأمن القومي" بجامعة تل أبيب، والتي تحولت إلى الإطار العملياتي للحرب على غزة، حيث استُهدف المدنيون والمستشفيات والبنية التحتية وفق منطق "الهندسة الشاملة للعقاب".
المعرفة كسلاح
ما تكشفه هذه الوقائع أن المعرفة لم تعد محايدة في الحالة الإسرائيلية، بل تحولت إلى أداة من أدوات القتل المنظم؛ فالجامعة- التي يفترض أن تكون مساحة حرية وبحث- غدت مؤسسة تجنيد وتبرير واستعمار ناعم، تشارك في بناء خطاب الدولة الإبادي وتصدره إلى الخارج بلغة العلم والحداثة.
في النهاية، ليست الجامعات الإسرائيلية مجرد بنى تحتية أكاديمية، بل هي مختبرات لإنتاج الشرعية الأخلاقية للاحتلال، وواجهة أنيقة لمشروع استعماري يقتل بالرصاص تارة، وبالمعرفة الموجهة تارة أخرى.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

