- تواطؤ الاحتفال: كيف يُخفي اليوم العالمي للفلسفة موت الفلسفة؟
يُرفع شعار "اليوم العالمي للفلسفة" كل عام، كأنه راية تحتفي بما لا نمارسه، وتعلي من شأن ما أهملناه، حتى يصبح الشعار نفسه موضوعا للفحص قبل أن يكون مناسبة للاحتفال.
فكيف يتسق العقل مع فكرة تخصيص يوم واحد للفلسفة في تقويم يرفض الاعتراف لها ببقية الأيام؟ وكيف نُحول فعلا إنسانيا جوهره السؤال والدهشة والمراجعة إلى موعد موسمي، بينما هو بطبيعته عصيّ على التأطير والزينة والمواعيد الرسمية؟
مؤسسات تعليمية تقدم الفلسفة كملخصات عقيمة لا كتمرين على الحرية؛ ووسائل إعلام تُخرس المختلف ثم تتزين بخطاب الاختلاف؛ ومجتمعات تعاقب السؤال في الحياة اليومية ثم تصفق له في يوم الاحتفال
هنا يبدأ التهافت الأول: إن الاحتفال يناقض ماهية الفلسفة، لأن الفلسفة تُمارَس ولا يُحتفى بها.
ولعل المفارقة الكبرى أن هذا الشعار يُرفع في زمن بلغ فيه العقل العمومي -بتعبير هابرماس- أدنى درجات حضوره، وانحدر فيه العالم إلى أشكال من التفاهة جعلت التفكير فعلا غرائبيا لا يُحتمل.
فكيف نحتفل بالفلسفة داخل واقع يضيق بالسؤال، ويخشى الشك، ويعاقب كل محاولة لكسر النسق السائد؟ إن اليوم العالمي للفلسفة يبدو أشبه بمحاولة تجميل وجه لا يجرؤ على النظر في المرآة، بل يكتفي بوضع الزينة على جرح يتظاهر بأنه غير موجود.
ثم إن تخصيص يوم للفلسفة ينطوي على نوع مما يسميه بورديو "التعويض الرمزي"؛ أي إن المجتمع يمنح الاعتراف لما غاب، ويزين ما أُهمل، ويحتفي بما انحسر حضوره الواقعي. فالاحتفاء هنا ليس تكريما للقيمة، بل سترا للنقص، واعترافا ضمنيا بأن الفلسفة غائبة عن الحياة، حاضرة فقط في الصور والخطب والمناسبات.
وتزداد المفارقة وضوحا حين نلتفت إلى طبيعة الجهات التي تعلن الاحتفال: مؤسسات تعليمية تقدم الفلسفة كملخصات عقيمة لا كتمرين على الحرية؛ ووسائل إعلام تُخرس المختلف ثم تتزين بخطاب الاختلاف؛ ومجتمعات تعاقب السؤال في الحياة اليومية ثم تصفق له في يوم الاحتفال. وهكذا تُقدَم الفلسفة في هذا اليوم بصورة مروضةٍ، منزوعٍ منها حدتها الأولى وروحها المتمردة.
ثم تأتي المفارقة الأشد فجاجة: كيف نقيم عيدا لفعل جوهره الرفض؟ كيف نحتفل بعلم يقتات على تفكيك الأعياد؟ كيف نخصص للفلسفة يوما زمنيا، وهي التي جعلت من الزمن نفسه موضوع سؤال؟ إن سقراط لو عاش بيننا لأنكر أن تتحول الفلسفة إلى مناسبة؛ لأن المناسبة طقس جماعي، فيما الفلسفة مساءلة فردية تزعج الجماعة وتهز يقينها.
إذا ظلت الفلسفة خارج الفعل، فسيُفضل الشعار أن يبقى كما هو: وعدا يخفي عجزا، واحتفالا يخفي خوفا، واعترافا رمزيا يخفي موتا فعليا للفكر
ويبلغ التناقض ذروته حين تتحول هذه المناسبة إلى حدث مؤسسي أكثر مما هي حدث فكري: صور مدرسية، خطب جاهزة، ملصقات ملونة… بينما تُختزل الفلسفة إلى ديكور ثقافي يُستعمَل لتلميع المؤسسات لا لزعزعتها. وقد حذر دولوز من هذا المصير: حين تُختزل الفلسفة إلى وظيفة ثقافية فإنها تموت، لأن مهمتها الأصلية هي تقويض السائد لا تجميله.
وتتبدى مفارقة أخرى: أن الفلسفة تُمنح "يوما عالميا" في عالم لم يعد عالَما إلا بالاسم؛ عالم تتقاسمه الأزمات، وتقطعه الحدود، وتفرغه التقنية من معناه الإنساني. فكيف تكون للفلسفة عالمية رمزية في زمن فقد عالميته الفعلية؟ إن عالمية الشعار هنا أغلب من عالمية الفلسفة نفسها.
إن تهافت الشعار، في جوهره، ليس حادثا طارئا، بل شهادة على حالة أعمق: حالة مجتمع يحب أن يتزين بالفكر ولا يريد أن يتحمل تبعات التفكير؛ يتغنى بالنقد ولا يقدر على ممارسته؛ يحتفل بالحرية ولا يجرؤ على تفعيلها؛ يعلق الفلسفة على الجدران ويطردها من السياسات والقرارات والمؤسسات.
ولذلك لا تحتاج الفلسفة إلى يوم عالمي، بل يحتاج الإنسان إلى أن يعيد لها مكانها في حياته. فإذا عاد العقل إلى شجاعته الأولى، لم يعد هناك معنى ليوم عالمي. أما إذا ظلت الفلسفة خارج الفعل، فسيُفضل الشعار أن يبقى كما هو: وعدا يخفي عجزا، واحتفالا يخفي خوفا، واعترافا رمزيا يخفي موتا فعليا للفكر.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

