في صحراء أفغانستان الجافة، حيث تطل السماء على جبال هندوكوش دون أن تحمل بين سحبها زخات مطر أو لآلئ ثلج تروي بها الوديان العطشى، يجري نزاع هادئ بين الماء والسلطة.
يُعد مسار نهر هلمند، الذي كان يوما شريان حياة للسهول الأفغانية والإيرانية معا، صلة وصل جديدة بين عطش البشر وجفاف الأرض.
ومع إغلاق السدود أبوابها ونضوب الآبار، وأصابع الأطفال تُغمس في وحولٍ جافة، يعلو صوت دق ناقوس الخطر: "أصبح يستحيل على الملايين من الأفغان شرب الماء أو سقي الحقول"، تحذر اللجنة الدولية للصليب الأحمر.
تطرقت صحيفة "Teheran Times" في عام 2022 إلى هذا النزاع، وعرضت مشاهد الجفاف: "في قندهار وهِرات وقرى هلمند النائية، نصادف رؤوس النساء المُطأطَأة وأجساد الأطفال الهزيلة وشفاه المسنين الجافة، حاملين دلاء فارغة ينتظرون قطرات مياه تروي ظمأهم. تحكي وجوههم قصة موجعة: أصبحت القلوب تنبض على وقع قطرات الماء النادرة."
أما الاتفاقية الموقعة بين البلدين عام 1973، والتي تنص على منح إيران نحو 820 مليون متر مكعب من مياه الهلمند، فقد دُفنت -كما تقول الصحيفة- "تحت سابع أرض".
أصبح الماء اليوم سلاحا وتحديا بين ضفتين هشتين، وخلافا بين جارتين، ورمزا لصراع البقاء والمفاوضات العقيمة. كما أصبح وعدا للسهول المتفتتة والأهوار المتلاشية، ووعدا لأطفال يحلمون بمستقبل أخضر.
منذ تولي طالبان الحكم، باتت هذه الاتفاقية محل شك: كابل تتهم الجفاف، وطهران تتهمها باحتجاز المياه. تتكرر الكلمات نفسها كل عام: الجفاف، الظلم، الحق في المياه
أفغانستان على حافة العطش
حل الغبار محل الأزهار فوق السهول الجافة للهلمند. لم يعد الأطفال يلعبون فوق الوحول، بل يحفرون التراب المتشقق بحثا عن قنوات مائية. يلتهم الجفاف جنوب أفغانستان منذ سنوات؛ الأمطار شحيحة، منسوب المياه الجوفية ينخفض، والسدود القديمة لم تعد قادرة على تلبية حاجات الأرض للري.
وحسب اللجنة الدولية للصليب الأحمر، فإن نحو 60% من الأفغان محرومون من المياه الصالحة للشرب. الآبار تجف بسرعة، ويضطر الفلاحون إلى بيع قطعانهم لشراء بضعة لترات من الماء الموزع عبر الصهاريج.
عندما يصبح النهر حدا فاصلا
يولد نهر الهلمند، الذي يتجاوز طوله ألف كيلومتر، من جبال وسط أفغانستان ويمتد إلى حوض سيستان وبلوشستان في إيران، مشكلا شريطا هشا مشتركا بين البلدين. وقد نصت اتفاقية 1973 على أن تتنازل أفغانستان عن 820 مليون متر مكعب من مياهه لصالح إيران.
لكن منذ تولي طالبان الحكم، باتت هذه الاتفاقية محل شك: كابل تتهم الجفاف، وطهران تتهمها باحتجاز المياه. تتكرر الكلمات نفسها كل عام: الجفاف، الظلم، الحق في المياه.. يتفاوض الطرفان على وقع تهديدات دبلوماسية، بينما يشاهد الشعبان النهر يجف.
تُغلق بعض المدارس أبوابها، الحقول تصفر، وتنتشر الأمراض الناتجة عن المياه الملوثة. لم يعد الأطفال يتعلمون القراءة، بل يعدون الأيام بلا مطر
سلطة السدود
تُعد مراقبة المياه بالنسبة لكابل شكلا من أشكال فرض السيادة. ويُعد سد كمال خان، الذي تم تدشينه في 2021، رمزا لتولي طالبان زمام الأمور. كان من المفترض أن يوفر هذا السد المياه للري، وبذلك يعزز السلم والتوازن الاجتماعي.
لكن إيران ترى فيه "جدارا سائلا" يقطع شريان الحياة. يقدر الخبراء أن الحكومة الأفغانية تستخدم إدارة السدود كأداة سياسية وورقة ضغط في المفاوضات الإقليمية، خصوصا في ظل العزلة الدولية المفروضة عليها.
وهكذا تُصبح كل قطرة ماء عملة مقايضة، بينما تدفع المحافظات الأخرى ثمنَ هذا النهج: أراضيَ غير صالحة للزراعة، نزاعات بين القرى، وهجرة نحو المدن حيث عائلات كاملة تركت أراضيها بعد أن جفت.
ضحايا العطش
في القرى، تستيقظ النساء قبل الفجر لملء بعض الدلاء قبل أن يجف البئر. تُغلق بعض المدارس أبوابها، الحقول تصفر، وتنتشر الأمراض الناتجة عن المياه الملوثة. لم يعد الأطفال يتعلمون القراءة، بل يعدون الأيام بلا مطر. إنها حرب صامتة، لا طلقات فيها ولا صرخات، وعدو هادئ لكنه حيوي.
قطرات أمل
ومع ذلك، وفي قلب هذا القحط، تظهر مبادرات تحاول إحياء الماء. ففي بعض الوديان، تعمل منظمات إغاثية على إعادة تشييد قنوات الري التقليدية: تلك الأنفاق القديمة التي تلتقط مياه الجبال.
وفي هِرات، يدرس مهندسون كيفية استعادة مياه الأمطار عبر أسطح المنازل. ورغم قلتها، تُعد هذه المبادرات شكلا من أشكال المقاومة؛ إذ إن مواصلة سحب المياه في هذه المناطق ليست سوى تمسك بقشة أمل بغدٍ أفضل.
في وقت تواجه فيه أفغانستان الجفاف والزلازل وأزمة زراعية كارثية، نجدها مستبعدة من طاولات الحوار. لم يكن هذا الاستبعاد تجاهلا دبلوماسيا فحسب، بل رمزا قاسيا للواقع
بين المفاوضات والنجاة
لم يعد الماء عنصرا عاديا من عناصر الطبيعة، بل أصبح سلاحا في يد السلطات، وأمنية يرفع الشعب أكف الدعاء من أجلها، ورمزا للأمل والمقاومة.
ولا يزال الحوار قائما بين أفغانستان وإيران حول نهر الهلمند، كما تتوافد البعثات من هنا وهناك دون جدوى. وبينما يعد القادة الأمتار المكعبة، يقف طفل في دروب القرى المنسية ينظر إلى السماء راجيا الغيث.
ومؤخرا، كان بإمكان أكبر محفل بيئي في العالم -مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ لعام 2025 الذي انعقد في مدينة بيلم البرازيلية- أن يكون منصة لاحتضان هذا النزاع ومناقشته، وتقديم حلول أو على الأقل إبداء مزيد من التضامن مع الشعوب الهشة التي تواجه خطرا وجوديا مثل العطش.
لكن، وفي وقت تواجه فيه أفغانستان الجفاف والزلازل وأزمة زراعية كارثية، نجدها مستبعدة من طاولات الحوار. لم يكن هذا الاستبعاد تجاهلا دبلوماسيا فحسب، بل رمزا قاسيا للواقع: أصبح الماء -شريان الحياة- محاصرا بين لعبة سياسية وإهمال دولي.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

