عن "الأوليغارشية" التي حذر منها بايدن

الرئيس الأميركي السابق جو بايدن (الجزيرة)

في 16 يناير/كانون الثاني من العام الحالي، ظهر بايدن في خطابه الوداعي من المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض، موجها رسائل منها ما يخص الأميركيين وحدهم، ومنها ما يستهدف العالم بأسره.

ولا ريب أن أبرز ما ذُكر في ذلك الخطاب هو تحذير مباشر، وبنبرة واضحة، حول التخوف من تحول أميركا شيئا فشيئا إلى جمهورية أوليغارش، تغيب فيها فرصة عادلة لجميع الأميركيين، بمختلف طبقاتهم ومنابتهم، لتحقيق طموحاتهم في التمثيل السياسي وأمور أخرى.

لم يكن بايدن أول الساسة الأميركيين الذين تطرقوا لهذه المسألة الخطيرة على جوهر الديمقراطية الأميركية، ويبدو أنه لن يكون آخرهم؛ فقد سبقه إلى ذلك الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما عام 2013، وكذلك الرئيس السابق جيمي كارتر عام 2015.

وانتهى ذلك إلى السيناتور الديمقراطي بيرني ساندرز عام 2022، الذي قال صراحة: "أي أحد يعتقد أن الأوليغارشية لا تهيمن على حياتنا في أميركا فهو مخطئ تماما".

كانت الأوليغارشية الأميركية- وما زالت- تعمل تحت مظلة قانونية بشكل أو بآخر، وهي واقعة تحت مجهر المجالين: الرسمي والعام

كان رائد الفلسفة المثالية في عصره، الفيلسوف اليوناني الكبير أفلاطون، أول من تطرق لمسألة الأوليغارشية في مدينته الفاضلة، التي سارت بذكرها الركبان.

والأوليغارشية مصطلح يوناني قديم، يشير إلى نظام حكم تقوم فيه مجموعة صغيرة من الأثرياء وأصحاب رؤوس الأموال الضخمة بالتأثير على الساسة صانعي القرار؛ نظرا لوجود مصالح مشتركة بين الفريقين.

مع مرور الزمن تطورت الأوليغارشية وأصبحت أكثر تعقيدا واشتباكا؛ فقد تكون ذات طابع عسكري، كما كان الحال في دول أميركا اللاتينية، التي كانت تسمى "جمهوريات الموز"، وكما هو الحال في الصين التي تسيطر عليها أوليغارشية مزدوجة متناقضة في ذاتها، تجمع بين العقل الرأسمالي التوسعي وبين الأيديولوجية الشيوعية المنغلقة.

إعلان

أما عن الأوليغارشية الروسية، التي تشكلت في التسعينيات بعد انهيار الاتحاد السوفياتي نتيجة التوجه نحو الخصخصة والعولمة واقتصاد السوق الحر، فقد ظهرت طبقة من رجال الأعمال الذين استغلوا غياب النموذج الغربي للدولة في بلادهم، والمتمثل بفتح الفضاء العام وعدم وصاية الدولة على الصحافة، وقبل ذلك كله بناء دولة مؤسسات فيها أكبر قدر ممكن من الفصل التام بين السلطات الثلاث.

بالنسبة لأميركا فإن الأمور تختلف جملة وتفصيلا؛ فأميركا دولة مؤسسات عتيدة، وهي من أقدم الديمقراطيات الحية في عالمنا، فقد كانت الأوليغارشية الأميركية- وما زالت- تعمل تحت مظلة قانونية بشكل أو بآخر، وهي واقعة تحت مجهر المجالين: الرسمي والعام.

وهنا لا بد من التنبيه على أن دول العالم الغربي، وخاصة أميركا، قد أصبحت تقريبا "دول قانون" أكثر من كونها "دول أخلاق وقيم ومبادئ"، وتفصيل هذا الأمر يحتاج إلى مقال مستقل.

تعود جذور الأوليغارشية الأميركية إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر، عندما ظهرت عائلات كبيرة تسيطر على قطاعات اقتصادية هامة، كعائلة روكفلر ذات الأصول الألمانية من منطقة الراينلاند، فقد قام الأخوان وليام روكفلر وجون روكفلر بتأسيس شركة "ستاندرد أويل" في ولاية أوهايو عام 1870.

مهما ساءت الأمور في أميركا فإنها ستظل قلعة من قلاع الديمقراطية بلا منازع؛ فأميركا التي استطاعت تجاوز "ظاهرة نيكسون" الأصعب والأعقد، وفي مرحلة أخطر من تاريخ أميركا والعالم، لن تكون عاجزة عن تجاوز الظاهرة الترامبية

ومع حلول القرن العشرين كانت هذه الشركة قد استحوذت على 90% تقريبا من قطاع الطاقة في أميركا بأسرها، ولكن مع حلول العام 1911 برزت قوة أميركا كدولة مؤسسات متجذرة، وأصدرت المحكمة الأميركية العليا قرارا قضائيا بتفكيك الشركة آنفة الذكر إلى عدد كبير من الشركات الصغيرة، وقد كان ذلك بالفعل.

مع حلول الأربعينيات بدأت الأمور تأخذ طابعا رسميا؛ فقد ظهر ما يسمى "لجان العمل السياسي"، أو ما يعرف اختصارا بـ"الباكس"، ففي عام 1943 تأسست أول لجنة عمل سياسي، وكانت تابعة لمؤتمر المنظمات الصناعية، نتيجة تشريع قانون يحظر على النقابات العمالية تقديم مساعدات مالية مباشرة للمرشحين السياسيين.

مع مرور العقود، تطورت الأوليغارشية في أميركا بشقيها: الرسمي والعام، ففي السنوات الأولى من قرننا الحالي تجاوز عدد اللجان 4500، إلى أن أتى العام 2010، الذي شكل قفزة عظمى فيما يتعلق بلجان العمل السياسي؛ فقد أصدرت المحكمة الأميركية العليا قرارا تعتبر فيه أي قيود على التبرعات السياسية بمثابة اعتداء على حرية التعبير، التي نص عليها التعديل الأول للدستور الأميركي عام 1791، وأنه لا تفريق في الحقوق بين المواطن العادي وكبرى الشركات، وعلى إثر ذلك ظهر ما يسمى الـ"سوبر باكس" وكذلك الـ"هايبرد باكس".

تقف الديمقراطية الأميركية على منعطف خطير في مواجهة "ظاهرة ترامب"، التي لم تعرف لها أميركا مثيلا منذ زمن الرئيس ريتشارد نيكسون!

رأينا أن "أميركا الدستور والمؤسسات" استطاعت بنجاح احتواء تصرفات ترامب، الذي رفض قبول الهزيمة في سباق الانتخابات الرئاسية ضد المرشح الديمقراطي جو بايدن بانتخابات عام 2020، في مشهد لم نعتده في العالم الغربي وخاصة أميركا.

تظهر قوة النموذج الديمقراطي الليبرالي في الحكم، الذي- وعلى الرغم من كل مشاكله- يبقى الأفضل والأمتن بين بقية أشكال الأنظمة

واليوم نرى "الملياردير الرئيس" دونالد ترامب محاطا بإدارة مفصلة على مقاييسه وشروطه، التي لا تتوافق ومفاهيم الجيوبولتيك وتعقيدات النظام العالمي، كما هو الحال بالنسبة لليميني الشعبوي وأغنى رجل بالعالم، إيلون ماسك، وكذلك لا ننسى اثنين من كبار شخصيات الـ"سيليكون فالي"، اللذين حضرا حفل تنصيب ترامب وكأنهما عضوان في إدارة ترامب الجديدة، وهما بيزوس ومارك زوكربيرغ.

إعلان

هؤلاء وغيرهم سيقومون بنشاط أوليغارشي منقطع النظير، من خلال التأثير على سياسات الرئيس ترامب، الذي قفز من عالم المال والأعمال إلى بيت السياسة داخل أعظم دولة بالكوكب.

إجمالا ومن حيث المبدأ نقول: مهما ساءت الأمور في أميركا فإنها ستظل قلعة من قلاع الديمقراطية بلا منازع؛ فأميركا التي استطاعت تجاوز "ظاهرة نيكسون" الأصعب والأعقد، وفي مرحلة أخطر من تاريخ أميركا والعالم، لن تكون عاجزة عن تجاوز الظاهرة الترامبية.

وهنا تظهر قوة النموذج الديمقراطي الليبرالي في الحكم، الذي- وعلى الرغم من كل مشاكله- يبقى الأفضل والأمتن بين بقية أشكال الأنظمة… وهذا ما توصل إليه كثيرون قديما وحديثا، ولعل أشهرهم عالم الاجتماع والأنثروبولوجبا والمؤرخ الفرنسي الشهير "شارل ماري غوستاف لوبون" المتوفى عام 1931.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان