في كل صباحات العالم، تستيقظ المدن على طقوسها المعتادة؛ قد تكون زقزقة طيور تبشّر بالنور، أو هدير محركات تهرول نحو الحياة. أما في مدينتي- غزة- فالصباح له موسيقى تصويرية تنفرد بها! هنا، لا نستيقظ على تغريد العصافير، بل على إيقاع قاسٍ أصبح جزءا من نسيجنا اليومي: صوت إزاحة الركام من البيوت نحو الشارع، وقرع المطارق على الجدران المتصدعة.
لقد صار لوقع الأقدام على ركام المنازل المتناثرة إيقاع خاص؛ هل تعلمون أنها تصدر أصواتا موسيقية عجيبة؟ "زيك، زاك، زك"… نغمات متقطعة، كأنها "الأوبرا" الرسمية للمدينة المدمرة؛ سيمفونية العذاب التي يعزفها أهالي غزة الأقوياء، لا كضحايا، بل كشهود على محاولات الحياة العنيدة للانبثاق من الموت.
يقولون إن أول هطول للمطر يكشف عيوب المكان.. أما في غزة، فهو لا يكشف العيوب، بل يفضح حجم الكارثة المستترة تحت الركام. بالأمس وفي اليوم الذي قبله (14 و15 نوفمبر/تشرين الثاني)، قررت السماء أن تضيف إلى سيمفونية الـ"زيك، زاك" هديرا مرعبا آخر؛ فالبيوت، أو "أشباه البيوت"، التي يأوي إليها الناس، بدأت تذرف الدمع معهم.
في هذا البرد القارس، يقف الأهل عاجزين؛ قلوبهم تتمزق وهم ينظرون إلى أطفالهم الذين يرتجفون، لا يملكون حطبا يدفئهم، ولا غطاء جافا يلفهم
مع أول قطرة مطر، بدأت الأسقف المثقوبة ترشح عليهم بالمياه من الأعلى، والأرضيات المدمرة أغرقتهم بها من الأسفل. انهمر الناس بأدواتهم البسيطة، يحاولون يائسين إغلاق منافذ المياه بـ"النايلون" أو "الشوادر" الممزقة. لكنها محاولات بائسة، بالكاد تبطئ تدفق المياه، ولكنها لا توقف الطوفان.
أما الشوارع، فلك أن تتخيلها مشهدا من الجحيم! البنية التحتية التي دمرها الاحتلال بالكامل لم تعد قادرة على استيعاب قطرة ماء. تحولت الطرقات إلى "برك مجارٍ" آسنة، وحاصرت المياه العادمة المباني، ومنعت الناس من مغادرة "أشباه بيوتهم"، كأن كل عائلة سجينة في جزيرة من الدمار.
لكن المعاناة الحقيقية، والألم الذي لا يُطاق، هما لأغلب الشعب الذي يسكن الخيام… هذه الخيام المتهالكة لا تقي من حر الصيف، فكيف لها أن تقي من غدر الشتاء؟
هنا، المأساة لها وجوه عدة:
- خيام تنهار: لم تحتمل وطأة المطر فانهارت على ساكنيها.
- خيام تُجرف: جرفها تيار المياه الموحلة هي وكل ما فيها.
- خيام تغرق: غزتها المياه من الأسفل، فأغرقت الفرشات، والبطانيات القليلة، وما تبقى من طعام وملابس.
في هذا البرد القارس، يقف الأهل عاجزين؛ قلوبهم تتمزق وهم ينظرون إلى أطفالهم الذين يرتجفون، لا يملكون حطبا يدفئهم، ولا غطاء جافا يلفهم… راقبت المشهد، ونحن بين الخيام.
كانت الصرخات تتعالى من الخيام المجاورة، لكن لا أحد يستطيع حل مشكلة أحد؛ فالبلاء عام، والغرق يشمل الجميع، وكيف للغريق أن ينجد غريقا؟ البعض، ممن لا تزال خيامهم صامدة، كانوا يؤوون جيرانهم الذين انهارت خيامهم، في انتظار أن يتحسن الجو، أو أن تحدث معجزة لإصلاح ما لا يُصلح.
أما خيمتنا، فقد كتب الله لها النجاة، إذ كنا- لحسن حظنا- سريعي البديهة؛ فمع تزايد ثقل المياه فوق "الشادر" الذي يُظل الخيمة، أدركنا أنه سيهوي علينا، وقبل أن تنكسر الأخشاب التي تحمل الخيمة، قمنا بثقب "الشادر" في عدة أماكن، فاندفع الماء كشلال، مُفرغا الحمل الذي كاد يودي بنا! نحمد الله، فلو تأخرنا قليلا لكنا الآن في العراء.
هنا، لا تُقاس الأمطار بالمليمترات، بل بعدد الخيام التي جرفتها، وبصرخات الأطفال الذين استيقظوا ليجدوا أنفسهم يطفون فوق برك من الوحل والمياه الآسنة
وأثناء الليل، لم نعرف طعم النوم… كانت الرياح تعصف كأنها ستقتلعنا من جذورنا، والسماء تبرق وترعد فوق رؤوسنا مباشرة. كان كل ما نخشاه هو أن نستيقظ وقد طارت الخيمة، أن نجد أنفسنا فجأة ننام بالعراء، بلا ساتر أو حامٍ في هذه الليالي الموحشة، وجها لوجه مع البرد والظلام والمجهول.
هنا، لا تُقاس الأمطار بالمليمترات، بل بعدد الخيام التي جرفتها، وبصرخات الأطفال الذين استيقظوا ليجدوا أنفسهم يطفون فوق برك من الوحل والمياه الآسنة.
أعلنت جهات إنسانية أن ما يقرب من 1.5 مليون نازح باتوا يواجهون معاناة مضاعفة، وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 90% من خيام النازحين لم تعد صالحة للسكن
لقد كشفت الساعات الماضية عن كارثة إنسانية جديدة تضاف إلى كارثة الدمار:
- غرق المخيمات: أغرقت الأمطار الغزيرة آلاف الخيام في مختلف مناطق القطاع، وحولتها إلى فخاخ طينية باردة.
- أرقام الكارثة: أعلنت جهات إنسانية أن ما يقرب من 1.5 مليون نازح باتوا يواجهون معاناة مضاعفة، وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 90% من خيام النازحين لم تعد صالحة للسكن، إما بسبب اهترائها المسبق، أو غرقها الكامل.
- نداءات يبتلعها الماء: ضجّت نداءات الاستغاثة للدفاع المدني وطواقم الإنقاذ من عائلات حاصرتها المياه، في وقت تقف فيه المنظومة شبه منهارة أصلا.
لقد أصبح المشهد سورياليا.. لم يعد الدمار قادما من السماء على شكل صواريخ فقط، بل أصبح الماء المتساقط كـ"غيث" في كل بقاع الأرض، هنا في غزة، شريكا في حصار الأنفاس.
في هذا المشهد الذي يتلاشى فيه مفهوم "الزمكان" المألوف، يبدو أننا نعيش في "حدث لا يتوقف"، في لحظة حرب ممتدة إلى ما لا نهاية.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

