منذ طفولتي، كنت محاطة بالأسئلة. أجلس بين أبي وأعمامي في اجتماعات العائلة أقرأ الجرائد وأسأل عن فلسطين والأرض والاحتلال. كانت جدتي تدعو على الظلم كلما وقع حدث مؤلم، وكنت أتساءل: لماذا يحدث كل هذا؟ ومن يملك الحقيقة؟
ذلك الفضول لم يهدأ. مع الوقت تحول إلى صوت داخلي يوجهني نحو البحث. اخترت دراسة التاريخ الحديث والمعاصر، وتابعت الماجستير في السياسات الدولية مع تركيز على القضية الفلسطينية.
لم يكن الطريق سهلا: كتبت وبحثت وتعرضت للتهديد، واضطررت لمغادرة بلدي لمتابعة مسيرتي الأكاديمية في الخارج. لكن شغفي بالعلم والعدالة لم ينطفئ.
المفكر المصري عبدالوهاب المسيري كتب مرارا عن ضرورة تكريم المفكرين في حياتهم لا بعد وفاتهم. أما المفكر محمد أركون فقال بوضوح: "المجتمعات التي تنسى مفكريها وعلماءها تحرم نفسها من مستقبل المعرفة والحضارة"
موقف صغير.. معنى كبير
بعد وصولي إلى ألمانيا، واجهت سؤالا من موظفة في مكتب السوسال:
"إذا طلب منك صاحب العمل خلع الحجاب للعمل، هل ستوافقين؟"
أجبت بثقة: "بالطبع لا، أنا هربت إلى بلد ديمقراطي يحترم الحريات".
سكتت الموظفة. كان هذا الموقف بالنسبة لي تأكيدا على أن التمسك بالمبادئ جزء لا يتجزأ من رحلتي العلمية والإنسانية.
وفي قاعة المحكمة في مدينة لبَاخ، وقعت حادثة أخرى. المترجم أخطأ في تعريف موضوع أطروحتي للدكتوراه وربطها بالسياسة الروسية. صححت له فورا بالألمانية، لتلتفت القاضية قائلة:
"إنها جديدة هنا ولم تحضر بعد أي دورة لغة، وتصحح لك؟ هذا غير احترافي. نحن فخورون بسوريا التي أنجبت باحثات مثلها".
ثم أضافت بالألمانية: "ألمانيا فخورة بك يا دكتورة براءة زيدان".
في تلك اللحظة لم أتمالك دموعي. شعرت كيف أن بلدا لم ينجِبني عرف قيمة شهاداتي أكثر من وطني الأم.
لماذا ننسى العلماء؟
تجربتي الشخصية جعلتني أطرح سؤالا أكبر: لماذا لا يُحتفى بالعلماء والمفكرين في مجتمعاتنا إلا بعد رحيلهم؟
كم من عالم عربي مبدع لم يسمع به أحد؟ لماذا تُفتح الأضواء على الفن والترفيه بسهولة بينما يبقى أهل الفكر في الظل؟
المفكر المصري عبدالوهاب المسيري كتب مرارا عن ضرورة تكريم المفكرين في حياتهم لا بعد وفاتهم. أما المفكر محمد أركون فقال بوضوح: "المجتمعات التي تنسى مفكريها وعلماءها تحرم نفسها من مستقبل المعرفة والحضارة".
حتى في الغرب، لم يخلُ الأمر من تحديات. المعمارية العالمية زها حديد قالت:
"واجهت مقاومة هائلة فقط لكوني عربية، وامرأة فوق ذلك. إنه كالسيف ذو الحدين".
ومع ذلك، نجد أمثلة مشرقة مثل العالم أحمد زويل الذي نال نوبل في الكيمياء عام 1999 بفضل أبحاثه المستقلة، بعيدا عن أي أجندات سياسية.
إذا أردنا لأجيالنا القادمة أن تتجه نحو البحث والتفوق، فعلينا أن نحتفي بالعلماء وهم أحياء، ندعمهم ماديا ومعنويا، ننشر أعمالهم، ونفتح لهم المنابر
فجوة في التكريم
في عالمنا العربي، تُخصص المهرجانات الكبرى للاحتفاء بالمشاهير والفنانين، بينما لا نجد منصة موازية لتكريم العلماء والمفكرين. هذا الانحياز يعكس فجوة ثقافية واضحة: نرفع من قيمة المتعة اللحظية ونهمل بناء المعرفة والفكر.
في المقابل، نرى موقفا لافتا من الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس الذي رفض جائزة قيمتها مليون دولار حتى لا يُوظف علمه سياسيا. هنا يظهر أن التقدير الحقيقي للعلم يقترن بالاستقلالية والنزاهة، لا بالمكافآت المادية فقط.
الدرس المستفاد
قصتي الشخصية، من طفولة الأسئلة حتى قاعة المحكمة في ألمانيا، ليست مجرد ذكريات. هي رمز لصمود الباحثين، وتأكيد أن احترام العلم يجب ألا ينتظر بعد الموت.
إذا أردنا لأجيالنا القادمة أن تتجه نحو البحث والتفوق، فعلينا أن نحتفي بالعلماء وهم أحياء، ندعمهم ماديا ومعنويا، ننشر أعمالهم، ونفتح لهم المنابر. لأن تقدير العلماء ليس رفاهية، بل ضرورة لبناء مستقبل المعرفة والحضارة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

