- النقد كباب إلى الإصلاح
ظلت فكرة هذا المقال في سطور قليلة ركيكة لا تكاد تبيِن، لكن دافعا واحدا جعلني أحسِن هذا النص: أنه سيتعرض للنقد من ناشرين أو قراء.
سئل مهتم بالسفر وتكوين صداقات مع من لا يشبهونه من قريب أو بعيد عن سبب ذلك، فأجاب: "أريد أن أحتفظ بعين جديدة ومختلفة عني دائما، فأرى محاسني وعيوبي." أليس هذا ما يقدمه لنا النقد؟
إن الناقد الخبير يحفظ علينا كثيرا من الجهد والوقت من الضياع، من خلال توجيهنا إلى أقصر وأنفع الوسائل لإتقان الشيء. ومن ثم نكتسب خبرة من سبقنا، ونفرغ الوقت لإبداع جديد
النقد فطرة
لم يكن إنسان إلا وفيه سعي نحو الكمال، وسواء أكان هذا الكمال فرديا أم اجتماعيا، فإن الذي يقرب منه هو النقد: أن تقوم أفعال الإنسان بأن ينظر إليها آخرون، وأن ينظر هو إلى أفعال الآخرين ليقوِمها. وتلك ظاهرة لا تحتاج إلى دراسة متعمقة لفلسفة الأخلاق مثلا، أو لكيفية بناء نموذج نقدي متماسك، بل هي فطرية يقوم بها كل أحد.
لننظر إلى شعورنا عند معرفة أن هناك رئيسا قد استبد بشعبه وظلمه، ألا نبغضه؟ وكذلك فإننا نحترم ونثني على آخر قد نشر العدالة بين شعبه وجلب له المنافع.. هذا مع أن الرئيسين قد يكونان في أقصى البلاد ولا تجمعنا بهما صلة، لكننا نكره النقص كيفما وأينما كان، ونحب الكمال كيفما وأينما كان.
هذه أمور فطرية عامة، ومع ذلك قد تغيب عن الفرد فيحتاج إلى من ينبهه عليها. أما الجوانب العملية المتخصصة فهي أحوج إلى النقد من قِبل الخبراء.
النقد باب لنقل الخبرة الإنسانية
ما أطول الطريق وأكثر متاهاته! لكن الدليل يجنبنا الضلال ويقودنا إلى أقصر السبل. وبذات المنطق، فإن الناقد الخبير يحفظ علينا كثيرا من الجهد والوقت من الضياع، من خلال توجيهنا إلى أقصر وأنفع الوسائل لإتقان الشيء. ومن ثم نكتسب خبرة من سبقنا، ونفرغ الوقت لإبداع جديد.
هل سلوك من تنحصر علاقاته في أسرته كمن هو واسع المعارف كثير الاحتكاك بالناس؟ وهل من لا يستعمل اللغة إلا لقراءة ذاتية عاطفية كمن يدرسها لطلاب متفاوتي الفهم؟
مِمن يسمع النقد؟
من المعتدلين؛ لا من الأحبة المبالغين في إخفاء المساوئ، فالحب يعمي عن العيوب، ولا من الحاقدين المبالغين في إظهارها. وكلما نضج الإنسان قل ميله إلى المداحين، وفضل المنتقدين، لأنه بهم يعرف عيوبه فيصلحها.
ذكر أن الشافعي سئل: كيف وصلت إلى ما وصلت إليه من حسن الخلق؟ فقال: "كنت أستمع بعناية إلى من يذمني، وآخذ قوله على محمل الجد".
النقد وسيلة لإصلاح الفرد والمجتمع
الطفل الذي يهمِله أهله كالرئيس الذي لا يحاسبه شعبه؛ كلاهما يصعب عليه إدراك الصواب. فكما أن الطفل إذا ترك بلا توجيه ساء خلقه واتبع هواه، ولم يعبأ إلا بما ينفعه، كذلك السلطة في المجتمع؛ إذا لم تراجع ساءت أفعالها.
وهل نحتاج أن نتعب أنفسنا بالبحث عن أمثلة؟ يكفي أن ننظر سريعا إلى بلداننا لنرى الكوارث التي تنتج عن غياب الرقيب السياسي.
وبين توجيه الطفل ومحاسبة المسؤول مساحات واسعة نستشعر فيها قيمة النقد، ومن أهمها التعليم. فحين يقترح عليك كتاب لتقرأه للمعرفة العامة، يختلف تلقيك له عما لو كلفت بقراءته ضمن مقرر دراسي مع إلزامك بمناقشته أمام أستاذك وزملائك؛ لأن علمك بأن الآخرين سيطلعون على عملك يدفعك إلى الإتقان والحرص.
والشيء ذاته يقال في السلوك واللغة وسائر جوانب الحياة؛ فهل سلوك من تنحصر علاقاته في أسرته كمن هو واسع المعارف كثير الاحتكاك بالناس؟ وهل من لا يستعمل اللغة إلا لقراءة ذاتية عاطفية كمن يدرسها لطلاب متفاوتي الفهم؟ وعلى هذا فقِسْ باقي الأمور.
قديما قيل: من أمِن العقاب أساء الأدب! ويمكن في هذا السياق أن نقول: من أمِن النقد لم يعبأ بالإصلاح، وقصر في طلب الكمال.
كما لا ينبغي أن نبالغ في الفرح بالمدح، لا ينبغي أن ننقبض من الذم، بل ننظر في الأمرين باعتدال لنعرف مميزاتنا فننميها، وعيوبنا فنتجنبها، ثم نمضي قدما
الفرق بين تقدير المجتمع وانعدام الشخصية
أغلب ما يجعل الناس يرفضون نقد الآخرين ظنهم أن ذلك تعد على استقلالهم الشخصي، وهذا مفهوم؛ فالحرية الشخصية لا تجبر الفرد على تقبل ما يراه الغير.
لكن، حتى نطمئن إلى أن الرفض نابع من إرادة حرة لا من كِبر، علينا أن نسأل أنفسنا: أنرفض مصدر النقد هذا بعينه، أم نرفض كل مصدر؟ إن كان الأول فهو ناتج عن إرادة تفضِل رأيا وتهمل آخر، أما إن كان الثاني فهو الكِبر الذي يهمل كل الآراء.
التدرب على تقبل النقد
وجه عابس، صوت مذبذب، نظرة مشكِكة، عقل باحث عن تبرير.. هكذا نتلقى أول نقد يوجه إلينا. ومع تكرار التجربة وإيماننا بضرورتها، ينبغي أن نعدِل من تفاعلنا معها شيئا فشيئا، حتى يصير النقد والثناء سواء.
فكما لا ينبغي أن نبالغ في الفرح بالمدح، لا ينبغي أن ننقبض من الذم، بل ننظر في الأمرين باعتدال لنعرف مميزاتنا فننميها، وعيوبنا فنتجنبها، ثم نمضي قدما.
الخلاصة
الاحترام الاجتماعي قوة فاعلة في إحداث التغيير، فيكفي -غالبا- لزجر الفرد عن فعل أن يوبخه من حوله، ويكفي -عادة- لإنهاء سياسة ما أن يبدي الأفراد استياءهم منها.
تلك نعمة كبيرة يجب أن نستفيد منها على كل مستويات الحياة؛ الشخصية، والاجتماعية، والخلقية.. ورحم الله من أهدى إلينا عيوبنا.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

