أريد توضيح نقطتين اثنتين: الأولى؛ في مواجهة المحاولات التي حصلت من جانب الاحتلال خلال العقود الماضية، والتي استهدفت الانفراد بمدينة بيت المقدس وأهلها، وقطع جميع الوشائج بينها وبين المسلمين عموما، فإن الجهود الطبيعية المعاكسة لتلك المحاولات المخادعة والكاذبة تقتضي العمل على إحياء الروابط بين المسلمين وبيت المقدس وأكنافه.
أي أن يتوسع جسم المقاومة لاحتلال الأرض المقدسة بقدر توسع جسم المحتل، وأن تتضخم القدرات المادية في مواجهة دعايته، بقدر ما يسخره من أدوات تضليلية لتثبيت وجوده الباطل والتلاعب بعقول المجتمعات البشرية.
أي إنه لا بد من مواجهة حالة الاحتلال المضلِلة، وفسخ نظرياته التي ألبس بها على العالم، بالأدوات ذاتها وبالحجم نفسه من التأثير والانتشار.
وقد يمتلك المسلمون، وكذلك المسيحيون الذين يعانون من وطأة الاحتلال، حججا ووشائج توحِد بينهم وبين بيت المقدس وأهله، أكثر بكثير من اختلاقات الدوائر الصهيونية الغادرة.
غزة تضم كثيرا من الكرد، وحسب الدلائل التاريخية فإن اسم حي الشجاعية في غزة يعود إلى مؤسسه شجاع الدين عثمان الكردي، القائد العسكري في جيش صلاح الدين، وكانت العائلات الكردية تشكل الأغلبية الساحقة من سكانه
وقبل الحديث عن الاندماج شبه الكامل بين الشعب الكردي وشعب غزة، أذكر أربعة معايير كافية للاستدلال على أن قضية فلسطين، وما يرتبط بها من التطهير العرقي الجاري في غزة الآن، هي قضية الشعب الكردي وسائر الشعوب المسلمة:
- المعيار الديني: إن أهل فلسطين يدفعون ثمن سكناهم بجوار المسجد الأقصى، أي إن الحرب ذات دوافع دينية ثم استعمارية، وإن القدس ليست كباقي الأراضي، فهي المبارك مسجدُها والمبارك ما حولها، مباركة بنص قرآني. وبحكم الانتماء إلى هذا الدين، تكون القضية قضية كل مسلم.
- المعيار الأخلاقي-الإنساني: إن الحس الحي والضمير الحي من الخصال التي تميز الإنسان عن الحيوان، والشعور بآلام الآخرين دليل على إنسانية الإنسان. وبخلاف ذلك، يكون التردي إلى الدرك الحيواني.
- المعيار القانوني: إن القوانين الصادرة منذ سنة 1948 إلى اليوم، سواء المتعلقة بالقضية الفلسطينية أو بحقوق الإنسان العامة، أو بحق تقرير المصير والدفاع عن الأرض وعدم شرعية الاحتلال، أو تلك الخاصة بحماية الأرواح -خصوصا في حالة الحروب، وبالأخص الأطفال والنساء والعجزة ممن لا يقاتلون- كلها تكفي للاستناد إليها في إثبات شرعية الدعم والوقوف إلى جانب الشعب الغزي.
- المعيار التاريخي: إن للشعب الكردي حالة خاصة في علاقته بفلسطين، تبدأ من حقبة الناصر صلاح الدين الأيوبي. فالوجود الكردي في مدن وبلدات فلسطين- ومنها القدس الشريف- ظاهر، والعوائل الكردية ما زالت باقية بألقابها هناك، من أولئك الذين ذهبوا مع صلاح الدين جنودا واستقروا، فلم يعودوا إلى الأرض التي خرجوا منها، بل حولوا الأرض الجديدة إلى أرض أجدادهم.
وغزة تضم كثيرا من الكرد، وحسب الدلائل التاريخية فإن اسم حي الشجاعية في غزة يعود إلى مؤسسه شجاع الدين عثمان الكردي، القائد العسكري في جيش صلاح الدين، وكانت العائلات الكردية تشكل الأغلبية الساحقة من سكانه.
كما أن في مدن أخرى عائلات تُعرف بالكرد، مثل حي الشيخ جراح في القدس. فالدماء والأرواح مختلطة بين الشعبين الكردي والفلسطيني بحكم الدين والتاريخ، وقد بدأ الحديث في الوسط الإعلامي والثقافي الكردي بأن هؤلاء هم أهلنا.
نشطت المنظمات المحلية في هذا المجال حتى أصبح التبرع لغزة ظاهرة عامة يتحدث بها الجميع، وتُخصص لها برامج وقنوات وإعلانات، وربما أبدعت كردستان في طرق جمع الأموال لغزة بوسائل غير موجودة في أماكن أخرى
ثانيا: مع الجسر الروحي والمادي الرابط بين كردستان وأهل غزة في هذه الأيام الحالكة، وعلى عكس ما يتخيله المترفون، فإن هذه الأيام أحلك على الأمة المسلمة منها على أهل غزة، لأن الصفاء الذي يتمتع به سكان غزة في الأرواح، والبصيرة التي يحملونها في فهم حقيقة الحرب الدائرة، تنير لهم منطقة هي ظلماء لدى الآخرين.
قد يرى الآخرون أن النور هو ما يضيء العالم المادي، لكن النور الحقيقي هو ما يوضح معنى الحياة لتكون بلا غبش أمام الناظرين، وليس ذاك الذي ترى به الأرواح الممزقة أرضا ميتة.
ليس الشعب الكردي من النوع المترف ماديا، ولا ممن يكدسون المال أو يصرفونه في المتعة؛ فالغالبية الساحقة منهم يعيشون على الراتب الشهري، وهذا الراتب جعلته الأحداث السياسية وسوء الإدارة ورداءة العلاقات مع الحكومة الاتحادية في بغداد كأنه قطرات تغيثهم مرة كل ثلاثة أشهر.
لكن، مع هذا كله، فإن إيثار أهل غزة على النفس، والمنافسة في التخفيف عنهم ضمن حدود المقدرة، دفعا شعب كردستان إلى التسابق في إرسال المعونات والتبرعات إلى أهل غزة.
ونشطت المنظمات المحلية في هذا المجال حتى أصبح التبرع لغزة ظاهرة عامة يتحدث بها الجميع، وتُخصص لها برامج وقنوات وإعلانات، وربما أبدعت كردستان في طرق جمع الأموال لغزة بوسائل غير موجودة في أماكن أخرى.
لا أشك أن الإيثار على النفس كان حاضرا، سواء على المستوى الشخصي أو القبلي، لأني من أهل الدار وعالم بالحال، وشاهد على الاندفاع للبذل رغم قلة الموارد وضيق الحال لأسباب سبق ذكرها
وفي هذا الجانب، أريد تسجيل النقاط التالية:
- لا يوجد أي قيد رسمي يحد من جهود الإغاثة لغزة أو يضيق عليها؛ فالأبواب مفتوحة، والتحرك متاح دون مساءلة من أي جهة رسمية، لا عن المتبرع ولا عن الجهة المقصودة، وهذا من محاسن السلطات في إقليم كردستان ويجب أن يُسجل لصالحها.
- لم يتخلف غني ولا فقير عن إرسال شيء إلى غزة، سوى من لم يقتنع أصلا، أولئك الذين وقعوا ضحية الإعلام المعادي المشوِش على حملة المساعدات، أو أصحاب الفكر المناوئ الذين يُخرجون القضية من إطارها الإنساني إلى حالة فكرية، وهؤلاء قلة.
- من القصص التي ينبغي أن تبقى في الذاكرة أن شخصا تبرع بسيارته الحديثة، وجاء بها إلى المركز الرئيسي لـ"المنظمة الخيرية الإنسانية" التي أسسها الدكتور علي القره داغي، لبيعها وإرسال ثمنها كله إلى غزة.
- حتى هؤلاء من ذوي الإدمان ممن بقيت فيهم بقايا دين أو ضمير حي لم يتخلفوا؛ أحدهم جاء بمبلغ وقال: قررت التوقف عن الشرب، وإرسال المال الذي كنت أُنفقه على المحرمات إلى غزة. وهناك من تبرع بكل راتبه التقاعدي الذي يعيش عليه لشهر كامل.
- لكن الإبداع في جمع الأموال ظهر في تنافس القبائل على التبرع؛ فقد بدأت القبائل تجتمع في الديوان بعد نداء شامل لجميع أبنائها، فيتبرع كل فرد أو عائلة بما يستطيع، ثم تُجمع الأموال وتُرسل عبر المنظمات الخيرية النشطة إلى غزة.
وقبيلتي "شميران" – بحمد الله- فعلت ذلك، فجمعت مبلغا مناسبا لأجل غزة، وأصبحت من دلائل الإثبات على أن أهل غزة هم أهلنا.
ولا أشك أن الإيثار على النفس كان حاضرا، سواء على المستوى الشخصي أو القبلي، لأني من أهل الدار وعالم بالحال، وشاهد على الاندفاع للبذل رغم قلة الموارد وضيق الحال لأسباب سبق ذكرها.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

