في غزة.. حتى الذاكرة تنزف

شهادات موجعة من الناجين بعد استهداف منزل النونو في غزة
الكاتبة: في كل شارع، في كل ركن، احتفظت ذاكرة المدينة بوجوه لم تعد موجودة، تهمس بصمتها لكل من يمر (الجزيرة)

بعد سنتين على السابع من أكتوبر/ تشرين الأول، لا تزال ذاكرة غزة تنبض كجرح مفتوح! لا تدون ما حدث فقط، بل تعيشه كل يوم من جديد، تهمس للعالم بأن ما مضى لم ينتهِ، وأن الوجع لا يؤرشف.

في السابع من أكتوبر/تشرين الأول، لم يُكتب يوم في التاريخ، بل بدأ التاريخ من جديد.. آنذاك، وُلد تقويم آخر للشعب الفلسطيني، لا تقاس أيامه بالتواريخ، بل بعدد من بقوا، ومن رحلوا، ومن ما زالوا يكتبون أسماءهم على جدار الذاكرة كي لا تمحى.. كان ذلك اليوم بداية لا تشبه البدايات.

حتى هذا اليوم، مر عامان على السابع من أكتوبر/تشرين الأول، اليوم الذي لم يكن مجرد تاريخ، بل جرحا انفتح في ذاكرة غزة.

أعود إلى ألبوم صوري، لا كمن يستعرض الذكريات، بل كمن يبحث عن دليل على أن الحياة كانت هنا يوما.. أتمعن الوجوه، والأماكن، والشوارع التي كانت تنبض بالحياة، والمشاهد التي كنا نظنها اعتيادية: طريقنا إلى الجامعة، صوت المذياع يهمس بأذكار الصباح، رائحة الخبز الطازج، ونسيم بحر عليل يمر من طريق الرشيد ويصافح أرواحنا.

منذ ذلك اليوم، أصبح كل شيء يتنفس الفقد.. في كل شارع، في كل ركن، احتفظت ذاكرة المدينة بوجوه لم تعد موجودة، تهمس بصمتها لكل من يمر.

هناك، بين صورة وأخرى، أتلمس ما اندثر دون وداع؛ ذاكرتي تقاوم النسيان، تتشبث بلحظة نادرة من "الحياة" قبل أن تنطفئ.

لكن.. حتى تحت الركام، ثمة ما يشبه النبض، يذكرنا أن غزة لم تمت بعد! ومع ذلك، نحن لا نرثي غزة، نحن نكتبها من جديد؛ مدينة تحترق لكنها لا تنطفئ، تشهد وتصر أن تضيء الطريق

وجع اليوم الأخير

أتذكر اليوم الأخير كما لو كان الآن: الوجوه المذعورة، الأصوات المبحوحة، الرسائل التي لم تفتح، والوداعات التي لم تكتمل.. لقد أشعلوا فينا النار ونسوا أن يطفئوها! ومنذ ذاك، نحمل رمادنا ونسير.

اليوم، بعد عامين، نعيش على الذكرى.. على وجع اليوم الأخير الذي كان يشبه الحياة؛ بعضهم تحت التراب، وآخرون تحت الركام، والباقون تاهوا في منافٍ لا اسم لها. فمتى تبرأ هذه الجروح؟
ربما حين يحين موعد العدالة، حينما تتوقف الحروب.

إعلان

ذاكرة غزة لم تنم منذ ذلك اليوم.. لا نستعيد حدثا فقط، بل نمر على جرح مفتوح ما زال ينزف.

ذلك اليوم لم يغير المدينة فقط، بل مزق هدوءَها، وكسر وقع خطواتنا المعتادة، وجعل كل زاوية من شوارعها تهمس بصوت غائب. وحتى الهواء الذي نتنفسه لم يعد كما كان، صار يحمل طعم الفقد وذكرى لا تمحى.

غزة -كما عهدناها- لا تروى، بل تروينا.. تعيد إلينا معنى أن نكون أحياء، حتى في أكثر لحظات الموت اكتمالا. وفي غزة، حتى الصمت له ذاكرة

غزة لا ترثى

لكن.. حتى تحت الركام، ثمة ما يشبه النبض، يذكرنا أن غزة لم تمت بعد! ومع ذلك، نحن لا نرثي غزة، نحن نكتبها من جديد؛ مدينة تحترق لكنها لا تنطفئ، تشهد وتصر أن تضيء الطريق، كي لا يمر العالم من أمام الألم دون أن يراه.

لا تطفئوا النداء

731 يوما.. عامان أكبر من حزننا، أثقل من دمعنا..

نرجوكم ألا تعتادوا، لا تجعلوا الألم مشهدا يوميا يمرَر كما تمر الأخبار؛ فخلف كل رقم حكاية، وخلف كل صورة قلب ما زال ينتظر صوتا يطمئنه أن العالم لم يصمت بعد.

ربما لا نملك أن نغير مجرى التاريخ، لكننا نملك أن نحفظ ذاكرته من أن تسرق؛ فكل صورة نحتفظ بها، وكل اسم نذكره، كل ذلك مقاومة صامتة ضد النسيان.

  • لسنا شهودا على النهاية، بل نحن شهود على البقاء

وغزة -كما عهدناها- لا تروى، بل تروينا.. تعيد إلينا معنى أن نكون أحياء، حتى في أكثر لحظات الموت اكتمالا. وفي غزة، حتى الصمت له ذاكرة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان