غزة كبنيان انهار سقفه!

شهادات موجعة من الناجين بعد استهداف منزل النونو في غزة
الكاتبة: أشعر بالغضب لأنه لا صحافة عربية أو دولية توثّق مشهد هذا النزوح القسري تحت وابل القصف والموت العشوائي (الجزيرة)

أتابع تفاصيل النزوح مؤخرا في مدينة غزة.. أتمتم: هل حان الوقت؟

في طريقي إلى العمل صباحا، أتابع سيل النازحين القادمين من شمالي القطاع للحظات، ويخيل إلي وكأني أنادي بأعلى صوتي: "اصحي يا غزة!"

أتخيل المدينة التي لم أرَ غيرها، ولم أتعلم حب سواها، وهي تستصرخنا بالعودة.. نحن، أبناءَها وبناتها. في نفسي أمنية ألا ينزح أحد جنوبا، رغم أني نزحت وعائلتي منذ بضعة أسابيع مرة أخرى، بفعل القصف المستمر في محافظة غزة. ولا أعرف إن كنت أنانية برغبتي هذه، لكني أعرف أن هذه المرة مختلفة عما سواها، وأننا إن غادرنا جميعا مدينة غزة فلن نعود أبدا، تماما كما نزح أجدادنا قبل 75 عاما!

أحاول أن أتتبع الأحداث، على أمل أن ألتقط بعض الإشارات التي تدل على مصيرنا ومسارنا بعد مرور 700 يوم من الإبادة، لكني في كل مرة أصاب بالصدمة، ويستبد بي الخوف

تربكني الأعداد الغفيرة من القادمين، وهم يتضاعفون مرة بعد أخرى على شارع الرشيد، وسط أزمة عبور السيارات وحافلات النقل المكدسة بمتاع مهترئ، وكل ما لا يمكن للعقل إدراكه واستيعابه. ولست أعرف لماذا يجري ذلك بهذه السرعة!

أتراهم يسابقون المدينة قبل أن تستيقظ؛ فتوبخهم لأنهم غادروها باكرا حتى دون ترويقة الصباح؟!

يقطع النازحون الطريق بكثير من الدموع، وأمنيات بالعودة، وخيبات أمل لا تُحصى، وكثير من شوالات الطحين تحسبا لمجاعة أخرى (ولا أضيف شيئا من عندي؛ هذا توثيق للمشهد الذي أراه كل يوم، وأنا واحدة من هؤلاء النازحين، أو الفارين من مقصلة الموت.. سمنا ما شئت).

أعترف أني متعبة، وأنني لطالما لعنت تفاصيل العيش هنا في غزة، لكني -ولغير سبب- ما زلت أحبها، ويعز علي مغادرتها، حتى ولو على بُعد كيلومترات فقط.

أتساءل: هل ستنتهي هذه الحرب باحتلال إسرائيل قطاع غزة؟ بالإعدام الجماعي لما يقرب من مليوني غزي؟ وبحمل من تبقى من الأهالي والأطفال في شاحنات إلى خارج القطاع، بينما يُقتاد من يبقى من الرجال الذين لم يُقتلوا إلى معسكرات اعتقال جماعية في مستوطنات قد تُقام على أرض غزة؟

إعلان

أحاول أن أتتبع الأحداث، على أمل أن ألتقط بعض الإشارات التي تدل على مصيرنا ومسارنا بعد مرور 700 يوم من الإبادة، لكني في كل مرة أُصاب بالصدمة، ويستبد بي الخوف، الخوف نفسه الذي شعرت به يوم خرجنا من البيت كعائلة مجتمعة، ولم نعد أبدا.. أبدا!

أود لو أبكي جهرا كلما وصلنا الطريق إلى بيتنا المتاخم لمستوطنة نتساريم! أنظر من بعيد وأتخيل الطريق إلى البيت، فيزهر قلبي ثم يذبل سريعا، أهش عن قلبي كل الذكريات، وأشعر بضرورة أن أسجل التفاصيل

بين حين وآخر، أتحايل على الزمان بزيارة إلى مدينة غزة بيقين «المرة الأخيرة». ولشد ما يؤلمني هذا الشعور..

أُعد حقيبتي في المساء، أنتظر شروق الشمس، وفي الصباح أنطلق كطائر الفينيق! طوال الطريق أنظر حولي، عن يميني وعن شمالي، على طول الساحل، وأشعر وكأني هاربة من زمن لا يشبه هذا الزمن في شيء؛ زمن أمضينا فيه طفولتنا على شاطئ بحر هذه المدينة، وأكلنا من صبارها وكروم عنبها وتينها.

غزة، ببحرها وزواريبها وشمسها وظلها وحكاياتها وحربها وسلامها، والدم المسفوك في شوارعها ومخيماتها.. لا أريد لها أن تصبح ذكرى.

أود لو أبكي جهرا كلما وصلنا الطريق إلى بيتنا المتاخم لمستوطنة نتساريم! أنظر من بعيد وأتخيل الطريق إلى البيت، فيزهر قلبي ثم يذبل سريعا، أهش عن قلبي كل الذكريات، وأشعر بضرورة ملحة أن أسجل كل التفاصيل.

أريد لغزة، التي ربما لم يزرها معظمكم، أن تنتقل إليكم وتصير منكم.

وسط هذه الدراما المتشابكة، الهزلية منها والحزينة، كانت تدور دراما أخرى، لا على خشبة المسرح ولا في المشهد السياسي، بل في رأسي.

أجلس على قارعة الرصيف بعدما استبد بي التعب لألتقط أنفاسي قبل أن أتابع الطريق جنوبا مشيا على الأقدام. أفكر في سيل النازحين القادمين من شمال القطاع ومدينة غزة، وسط أزمة النزوح ووعورة الطريق واكتظاظ الحركة.

أشعر بالغضب لأنه لا صحافة عربية أو دولية توثق مشهد هذا النزوح القسري تحت وابل القصف والموت العشوائي؛ ولكن أين صحافتنا المحلية الفلسطينية؟ لماذا لا يوثق أحد هذا المشهد؟!

أشعر بشيء من الحرج كلما سمعت أحدا من حولي يتحدث بأن أمر التهجير بات وشيكا لا ممكنا. وحين أنتبه، أحاول ألا أفكر، لأن التفكير قد يفتح علي بابا آخر أحاول إبقاءه موصدا

أوْمن بأنه لا أحد سيصنع لنا شيئا، لكن من واجبنا أن نوثق كل لحظة بلحظتها من أجل الأجيال القادمة. وهذه فرصتنا نحن، الشباب الفلسطيني.

نستطيع الآن أن نقدم شيئا لقضيتنا ووطننا بالتوثيق والكتابة والتدوين، لأننا هنا، وما زلنا في ريعان شبابنا، ولأن من حق الأجيال القادمة أن تعرف الحقيقة. وهذه مسؤولية تقع على عاتق إعلامنا الفلسطيني اليوم.

علينا أولا أن نعرف كيف نغالب الغصة في حلقنا، ونكبت دمعنا المحبوس لأننا لا نملك ترف البكاء، أن نخفي الرعشة قبل أن تتفلت في وجهنا وصوتنا، ونلتقط أنفاسنا.. ثم نواصل.

أغالب البكاء في كل مرة أعود فيها إلى الجنوب، لأني لا أدري: أأحظى بفرصة أخرى أم لا؟ بل ولأني غير قادرة حتى على توقع أي شيء!

هجرة؟ ممكن..

هل سيقتصر الأمر على بضعة آلاف من النازحين، بينما هناك من سيظل ثابتا في الشمال؟ احتمال.

إعلان

أشعر بشيء من الحرج كلما سمعت أحدا من حولي يتحدث بأن أمر التهجير بات وشيكا لا ممكنا. وحين أنتبه، أحاول ألا أفكر، لأن التفكير قد يفتح علي بابا آخر أحاول إبقاءه موصدا؛ لا لأني اخترت البلادة أو خداع النفس، بل لأنني محاصَرة بين ماضٍ ومستقبل معلق على احتمالات متفاوتة، قد يكون الموت أبسطها.

ولا أملك سوى تسليم أمري لله ومواصلة الحياة بطريقة عادية، لأنني من جنس مخلوق آدمي طور على مدى آلاف السنين شيئا ثمينا اسمه الكبرياء.

نتابع الأخبار في الميدان لحظة بلحظة ومن داخل غرف الأخبار، وما بين حين وآخر نتصل بالأهل والأصدقاء، نطمئنهم ويطمئنوننا، وفي كل يوم معلومة جديدة تنبهني إلى أن هذه الحرب منحتني قدرات باتت تمكنني من الكر والفر بيسر وسهولة

أفكر أحيانا: لماذا لا نخرج في مظاهرات كبيرة من كل محافظات غزة، ونصرخ بأعلى صوتنا: "لن نخرج!"؟
أغسل وجهي ثم أهم بالمغادرة؛ لأن الطريق ما زال طويلا، والشمس قد شارفت على الغروب، وقلب أمي على نار!

في نهاية كل يوم، عندما آوي إلى فراشي، أسأل نفسي من جديد: هل ينتهي الأمر بعد يوم أو يومين… شهر أو شهرين؟
لقد شهدت كل الحروب على قطاع غزة، لكن هذه الحرب لا تشبه غيرها! لا بد من الانتظار إلى الغد… ليلة أخرى من النوم المتقطع، بعدها "صباح الخير" وكوب القهوة والأخبار.

الحرب مستمرة لليوم الـ704 على التوالي.. هل هي هجرة؟

ستشكل الحرب، بمجرياتها وأسماء شهدائها وردود الفعل الدولية عليها، جدولنا اليومي منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، إلى حين لا ندرك كُنهه.

نتابع الأخبار في الميدان لحظة بلحظة ومن داخل غرف الأخبار، وما بين حين وآخر نتصل بالأهل والأصدقاء، نطمئنهم ويطمئنوننا، وفي كل يوم معلومة جديدة تنبهني إلى أن هذه الحرب منحتني قدرات باتت تمكنني من الكر والفر بيسر وسهولة، وأني، بأداتي الأجدى -الكتابة- أستطيع القفز أمام كل منافذ الخطر في سبيل أن أنقل تجربة جيلنا وأوثق نكبة شعبنا؛ لكي لا يأتي يوم يُقال فيه إنهم باعوا أرضهم عن قصد أو غفلة، وليعلم الناس أن هذه الأرض قد ارتوت بدماء بذلها شعبنا وأبناؤنا.

ففي نهاية المطاف، على الكاتب أن يلتقط خيوط القصة كلها، ويغزلها ويضفرها، ويقدم قطعة النسيج الكبيرة التي تشبه في حجمها وجلالها المعنى الكبير المكون من منمنمات صغيرة؛ فتذكر أن وراء المعنى الكبير لحظات بسيطة لبشر بسطاء يحتاجون ساعة نوم وشربة ماء ولقمة تسد الجوع، وكلمة تنم عن الاحترام.. وهذا ما يُسمى، بلغة السياسة، "الكرامة".

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان