كنا في منتصف سبتمبر/أيلول عندما قدمت إلى منطقة الخليج العربي للمرة الأولى قبل نحو عشرين عاما، ولا أنسى ذلك اليوم، فرغم أن الوقت كان ليلا، والصيف قد رحل أو يوشك على الرحيل في البلدان المجاورة، فإن مفاجأتي كانت كبيرة بما رأيته من مزيج الحرارة والرطوبة في تلك الليلة.
أكان الأمر غير طبيعي كما اعتقدت وقتها لدرجة جعلتني أعتقد أني لن أطيل المكث إلا قليلا؟، أم لأن تلك الدرجة من الحرارة والرطوبة لم تكن مألوفة في دلتا مصر التي عشت فيها معظم سنواتي السابقة على رحلة السفر؟.
علي أي حال تجاوزت العشرين عاما في الخليج العربي وتكيّفت كغيري مع الصيف بحره ورطوبته، مع الفرار شمالا عندما تشتد الوطأة في يوليو/تموز وأغسطس/آب بحثا عن نسمة هواء في طبيعة خضراء.
ذهبت شمالا نحو أوروبا وسافرت شرقا نحو آسيا، لكني لم أتوقع أبدا أن ملاذا مشابها يمكن أن يكون قريبا، بل قريبا جدا ودون أن أغادر منطقة الخليج العربي.
لطالما سمعت في السنوات الأخيرة عن خريف صلالة وروعته، لكن لا أدري لماذا استبعدت أن يكون الأمر كما سمعت في تلك المنطقة من محافظة ظفار العمانية، حتى قررت في هذا الصيف أن أذهب وأقطع الشك باليقين.
مع صباح يومك الثاني في صلالة تدرك أن منابع المتعة كثيرة ومتعددة، تتحور حول الماء بعيونه وشلالاته ورذاذه وباللون الأخضر البديع الذي يظلل معظم أرجاء المزارات الشهيرة هناك
ودّ قديم
سبقني إلى هناك ود خاص لهذا البلد، حيث عملت في سفارته بالقاهرة لعدة سنوات في بداية مسيرتي مع العمل بالصحافة والإعلام، وكانت فرصة لاكتشاف قدر هائل من الطيبة والرقي مع هؤلاء، ومنهم الأستاذ خميس المسافر الذي كان ملحقا إعلاميا بالسفارة خلال تسعينيات القرن الماضي.
ومع ذلك فقد كان بداخلي بعض الشكوك تجاه ما ذهبت من أجله، فهل فعلا سأجد ما سمعت عنه من جو بارد منعش ومطر ينهمر على سندس أخضر، وأنا لم أسافر إلا نحو ساعة ونصفٍ بالطائرة؟
لعل هذه الافتتاحية هي أفضل ما في الرحلة، أن تجد نفسك بعد وقت قصير قد انتقلت من مزيج الحرارة والرطوبة الخانق، إلى جو بارد منعش، ورذاذ مستمر يتحول في كثير من الأوقات إلى مطر منهمر.
المصدر الأكبر للمتعة في الساعات الأولى لزائر صلالة يأتي من الطقس وشعورك بانخفاض يصل إلى عشرين درجة في الطقس من حولك، مقارنة بما اعتدت عليه في بقية دول الخليج بل وفي معظم مناطق سلطنة عمان نفسها، في ذلك الوقت من العام الذي يمتد من أواخر يونيو/حزيران حتى أوائل سبتمبر/أيلول من كل عام.
لكن مع صباح يومك الثاني في صلالة تدرك أن منابع المتعة كثيرة ومتعددة، تتحور حول الماء بعيونه وشلالاته ورذاذه وباللون الأخضر البديع الذي يظلل معظم أرجاء المزارات الشهيرة هناك.

إتين.. سهل وجبل وقبر
بدأت جولاتي بالأقرب، حيث كانت عدة دقائق كافية للوصول من مدينة صلالة إلى سهل إتين حيث العديد من الأسواق والمطاعم والفعاليات، ثم تتجه إلى الأعلى حيث جبل إتين، وهناك ستدهشك عين جرزيز، حيث يختلط جمال الماء وصفائه مع سحر اللون الأخضر لأشجار تحرسها قمم جبلية تضفي هيبة على المكان.
وسط أجواء يلفها الضباب أخبرني مرافقي بمزار لا يجب إهماله، وهو قبر النبي أيوب، حيث ستجد مبنى بسيطا تعلوه قبة خضراء، وقبل مدخله يوجد أثر لقدم مغروسة في الحجر، يقال إنها لنبي الله أيوب.
وادي دربات
ويأتي الدور على وادي دربات الذي يعتبره كثيرون بمثابة درة التاج بين المعالم السياحية بمحافظة ظفار العمانية، وهي بالفعل منطقة رائعة الجمال تبعد نحو نصف ساعة فقط عن مدينة صلالة.
لمسة التطوير تظهر في هذا المكان بشكل ملحوظ، ولذلك فإن توفر أماكن للجلوس والاسترخاء يساعدك على الاستمتاع بالمزيج الساحر من عيون مائية وأودية وبحيرة، وكل هذا تحيطه أشجار تشترك في اللون الأخضر لكنها تتباين في درجاته بشكل خلاب.
وأنت تتنقل بين هذه الأماكن سيلفت نظرك لا محالة تلك الجلسات البسيطة التي يحبها السكان في هذه الأماكن، حيث تجد كل أسرة أو مجموعة من الأصدقاء قد اختاروا مكانا في وسط السهول وافترشوه.. للاستمتاع
عين رزات
تتواصل الرحلة مع السهول الخضراء وعيون الماء، حيث يمكنك أن تتجه من صلالة شرقا نحو عين أثوم، ثم تتجه شمالا نحو عين رزات، وفي كلتيهما ستجد جمالا طبيعيا استثنائيا يخطف الأنظار ويأسر القلوب ويشعر النفس بكثير من الراحة والطمأنينة والسكينة.
وأنت تتنقل بين هذه الأماكن سيلفت نظرك لا محالة تلك الجلسات البسيطة التي يحبها السكان في هذه الأماكن، حيث تجد كل أسرة أو مجموعة من الأصدقاء قد اختاروا مكانا في وسط السهول وافترشوه مع ما تيسر من الطعام والشراب للاستمتاع والاسترخاء في ظل طبيعة جميلة ونسيم عليل.

المغسيل والمرنيف
ومع أن الطبيعة الخضراء لا تُمل، فإن الزائر الذي يفضل التنوع سيشبع رغبته عندما يخصص يوما للاتجاه غربا نحو شاطئ المغسيل، الذي يبتعد نحو 45 دقيقة إلى الغرب من صلالة، وهناك ستبهرك زرقة مياه البحر العربي، وبياض رمال الشاطئ، فيما تقف على الجانب الآخر مرتفعات صخرية تبدو وكأنها تحرس المكان وتضفي عليه مزيدا من الهيبة والجمال.
في هذا المكان ستستمتع بمشاهدة كهف المرنيف، ومن أمامه نافورات المياه التي تنطلق من الأرض بشكل طبيعي بفعل الأمواج الهادرة في بحر العرب.
وبعد ساعات الاستمتاع بجمال الطبيعة نهارا سيكون بإمكانك أن تتجول مساء بين كثير من الفعاليات الترفيهية، وأن تزور الأسواق الشعبية التي يغلب عليها صنفان: الحلوى العمانية بمختلف نكهاتها، واللبان العماني الشهير الذي يتنوع ما بين أنواع للمضغ وأخرى للبخور.
وأخيرا، فربما شعرنا من زيارتنا أن معالم صلالة قد تكون بحاجة إلى مزيد من التطوير والاهتمام، لكن المؤكد أن خريفها الذي يتزامن مع قيظ الصيف في الخليج هو وجهة رائعة لمن يريد الفرار من الحرارة والرمال إلى برودة الطقس وسحر الطبيعة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

