أبدأ هذه السطور بعرض قصير لأمر حدث معي؛ فقد كنت في مجلس صغير، فإذا بصديق قديم يُقبل نحوي.. تبسمت لأحييه، لكن المفاجأة التي لم أحسب لها حسابا أن اسمه تبخر من رأسي في لحظة مربكة! تجمد لساني، ودار في عقلي هذا السؤال المرعب: "هل هذا هو ألزهايمر المبكر؟".
عاش القلق معي أياما، وراودتني الهواجس، ما دفعني لمراجعة الطبيب، وقد طمأنني أن الأمر لا يعدو كونه إرهاقا ذهنيا ونقصا في بعض الفيتامينات.
أدركت حينها أن النسيان ليس مجرد حدث عابر، بل هو رسالة ينبغي التوقف عندها، رسالة تدعوني لإعادة النظر في أسلوب حياتي.. ومن هذا الموقف، أدركت النعم التي أغرق بها قبل فقدها؛ فنتج هذا المقال.
يا ترى، هل حدث لك ما حدث لي؟ وما هو علاج النسيان؟ في البداية، نقول إن النسيان أمر طبيعي، لكنه قد يزيد إذا تراكمت الضغوط أو أُهمل أسلوب الحياة الصحي. وفي هذه السطور، إليك بعض طرق العلاج والوقاية بشكل عملي ومبسط، مدعوم ببعض القصص من واقع الحياة.
كثيرون لا يدركون فائدة النوم إلا في وقت متأخر، بعد أن يصاب أحدهم بوعكة صحية طارئة، وحينها يدرك أن النوم ليس ترفا، بل هو شاحن طبيعي للذاكرة
النوم غذاء الذاكرة
تندّر عليّ أحد الأصدقاء حين عرف عدد ساعات نومي، وكان يتفاخر بممارسة عمله الطويل دون أن ينام، ويعتبر قلة نومه علامة حقيقية على الاجتهاد.
فهل قلة النوم مفخرة؟ ماذا إذا شلّ ذلك تركيزك ودهوَر صحتك وأدى إلى الخرف المبكر ومرض النسيان؟
للأسف، كثيرون لا يدركون فائدة النوم إلا في وقت متأخر، بعد أن يصاب أحدهم بوعكة صحية طارئة، وحينها يدرك أن النوم ليس ترفا، بل هو شاحن طبيعي للذاكرة.
والآن إليك السؤال: هل تأخذ حصتك الطبيعية من النوم؟ إن كنت لا تنام بانتظام من 7 إلى 8 ساعات، فعليك مراجعة حساباتك؛ فالدماغ يحتاج إلى هذا الوقت، خاصة في مرحلة النوم العميق، لتثبيت المعلومات التي حصلت عليها نهارا. وبدون النوم، دماغك يعمل كجهاز ببطارية فارغة! فهل تدرك ما تفعله بنفسك حين تقلص حصتك الطبيعية من النوم؟
الغذاء وقود العقل
كل جهاز يحتاج لطاقة، فماذا عن جهازك العقلي ونشاطك الذهني؟ هل يحتاج لطاقة؟ وما هو الغذاء الذي تحرص على توفيره له؟ من حرم الجامعات أروي لك هذه الحكاية فتأمل.
يُنقل أن أحد طلاب الجامعة كان يعيش أيام دراسته على الوجبات السريعة والمشروبات الغازية ليوفر الوقت والمجهود؛ وبعد شهور، لاحظ هذا الطالب أنه يعاني من خمول شديد، مع عدم قدرته على التركيز واستيعاب الدروس، فانصاع أخيرا لرغبة أمه ونصيحتها بالاهتمام بغذائه، حيث أضاف الأسماك الغنية بالأوميغا 3 والخضراوات لوجباته، فتحولت ذاكرته الهشة الباهتة إلى ذاكرة صافية.. هنا عرف أهمية الغذاء الصحي، وأن المدخلات التي يضعها في جسمه تساهم في جودة المخرجات.
الدماغ يصدأ إذا لم يُستعمل، والقراءة وحل الألغاز وتعلم المهارة الجديدة تمارين ذهنية ضرورية للحفاظ على مرونة العقل
اجعل عقلك نشطا
تعامل مع دماغك كعضلة، أليست العضلات تقوى بالتمرين وتضعف بالإهمال؟ فكيف تقوي دماغك؟ يحكى أن امرأة خمسينية ترغب في تعلم اللغة الإسبانية، وتوقعت أن يخونها العمر في بلوغ رغبتها، لكنها لاحظت أن ذاكرتها بدأت تتوقد أكثر، مما جعلها تدرك أن هذا البرنامج ساهم في تنشيط ذاكرتها! بعدها أدركت أنها تستطيع تذكر المواعيد والأحداث بسهولة.
فالدماغ يصدأ إذا لم يُستعمل، والقراءة وحل الألغاز وتعلم المهارة الجديدة تمارين ذهنية ضرورية للحفاظ على مرونة العقل. ومن المهم الإشارة كذلك إلى أن النشاط البدني لا يقل أهمية عن تمرين العقول، فلقد نُقل أن رجلا ستينيا أخذ يمشي 20 دقيقة يوميا بعد صلاة الفجر، وبعد شهرين فقط أصبح يحفظ أرقام الهواتف بسهولة، وكأنه يمتلك ذاكرة متوقدة.
الحب والصحبة دواء النسيان
أليس لكل داء دواء؟ فما هو دواء النسيان؟ يروى أن شابا يعيش حالة القلق نتيجة كثرة الامتحانات المقررة عليه، لاحظ أنه ينسى المعلومات رغم أنه يذاكر لفترات طويلة، اكتشف أن هذا التوتر سرق منه النوم والذاكرة على حد سواء!
لكن هذه الحالة بدأت تتبخر منه في فترة خطوبته، بمجرد أن شعر بالاستقرار العاطفي تقلص مستوى القلق. وفي مثال مشابه لسيدة متقاعدة وحيدة تآكلت ذاكرتها، كان الدواء في ارتباطها بنادٍ اجتماعي أرجع لها حيوية الذاكرة، وعالجت به أزمة النسيان.
من هنا ندرك أن لتبادل القصص والأحاديث مع الآخرين فوائد جمة لعلاج ألزهايمر، فهو ينشط الدماغ ويقوي استدعاء الأحداث.
ما دمنا نملك النوم الهانئ، والغذاء السليم، والحب، والصحبة، والذكر الصادق، فلن نخشى أن يضيع العمر في غياهب النسيان، بل سنجعل من هذه الذاكرة نبراسا يكشف الجمال
تفطّن لرسائل الجسد
قبل أن يغزوك المرض يرسل لك رسله ورسائله، ولا يهجم عليك فجأة، فهل تدرك رسائل الجسم؟ قد يكون هذا النسيان رسالة أو مؤشر إخبار عن أمر ما، فقد يكون النسيان مرتبطا- مثلا- بنقص فيتامين B12، أو فيتامين D، أو نقص في الحديد.
أحد الشبان الرياضيين عانى من شرود غريب رغم لياقته البدنية، وبعد الفحص والتحليل تبين أن لديه نقصا في فيتامين B12، وبعد العلاج عادت ذاكرته كسابق عهدها نشطة! هنا تجدر الإشارة لأهمية استشارة الطبيب قبل اللجوء للمكملات للتأكد من النقص.
وإذا كان النسيان يؤثر سلبا على حياتك اليومية، فإنه كذلك قد يكون مؤشرا لمشكلة صحية مثل اضطراب الغدة الدرقية. هذا ما حصل مع ذلك الرجل الأربعيني الذي بدأ ينسى أسماء أبنائه في لحظات ارتباك، وقاده الفحص والتحليل إلى خلل في الغدة الدرقية، وبعد علاج بسيط أُنقذ من هواجس ألزهايمر.
في الختام، لسنا بحاجة إلى ذاكرة لا يكون معها نسيان، بل إلى ذاكرة تختار ما يضيء طريقنا، ويترك فينا أثرا من جمال أو حكمة، وتدع الباقي يتلاشى كما يتلاشى الغبار. فالنسيان ليس نهاية الذاكرة، بل بداية لذاكرة جديدة؛ إنه رسالة من جسدك وروحك معا، قد يكون رحمة يرفع الله بها عن القلب أثقاله، ونعمة تمنح العقل صفاءه.
وما دمنا نملك النوم الهانئ، والغذاء السليم، والحب، والصحبة، والذكر الصادق، فلن نخشى أن يضيع العمر في غياهب النسيان، بل سنجعل من هذه الذاكرة نبراسا يكشف الجمال، ويترك ما لا يراه مناسبا في خبر كان.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

