وكالات الأنباء الغربية.. كيف تصنع وعي العالم وتوجه روايته؟

كثير من وسائل الإعلام الغربية متحيزة لإسرائيل (الصحافة الأجنبية)
الكاتب: كشف كتاب "سماسرة الأخبار" أن جل وكالات الأنباء الكبرى نشأت لتغذية الرأي العام الدولي بما يخدم مصالح اقتصادية وسياسية عابرة للحدود (الصحافة الأجنبية)
  • من يصوغ الحقيقة؟

في عالم تتسارع فيه الأحداث وتتشابك المصالح، لم يعد الخبر مجرد معلومة تُنقل، بل أداة تُستخدم لتوجيه الرأي العام وصياغة السرديات السياسية.

وبينما تهيمن وكالات الأنباء العالمية على المشهد الإعلامي، تعاني الوكالات العربية من ضعف بنيوي وتبعية معرفية، ما يطرح سؤالا جوهريا: من يملك حقَ سرد الحقيقة؟ ومن يصوغ الوعي في لحظات التحول والصراع؟

بعد الحرب، أنشأت بريطانيا إدارة الأبحاث الإعلامية (IRD) عام 1948، كما توضح فرانسيس ستونر سوندرز في كتابها «الحرب الباردة الثقافية»

وكالات الأنباء العالمية: من الحياد إلى التحيز

منذ نشأتها في القرن الـ19، لم تكن وكالات الأنباء الكبرى مثل رويترز وهافاس وأسوشيتد برس مؤسسات محايدة، بل أدوات إستراتيجية في يد القوى الاستعمارية.

وكما يكشف كتاب «سماسرة الأخبار» للدكتور فريد أيار، فإن هذه الوكالات نشأت لتغذية الرأي العام الدولي بما يخدم مصالح اقتصادية وسياسية عابرة للحدود.

خلال الحرب العالمية الثانية، تحولت وكالة رويترز إلى ذراع إعلامية للسياسة البريطانية؛ إذ تلقت دعما مباشرا من وزارة الإعلام، وأُعيد توجيه تغطيتها لتعزيز الروح المعنوية في الداخل البريطاني، وتكريس صورة أخلاقية لبريطانيا في مستعمراتها. لم تكن رويترز تنقل الحدث، بل كانت تعيد صياغته وفقا لأجندة الحرب.

وبعد الحرب، أنشأت بريطانيا إدارة الأبحاث الإعلامية (IRD) عام 1948، كما توضح فرانسيس ستونر سوندرز في كتابها «الحرب الباردة الثقافية». وقد نسقت هذه الوحدة السرية مع وكالات الأنباء لنشر سرديات معادية للشيوعية، ودعمت كُتابا وصحفا ومجلات دون الكشف عن تمويلها الحكومي، في إطار حرب ثقافية هدفها السيطرة على الوعي العام في أوروبا والشرق الأوسط.

رغم وجود وكالات وطنية، لا تزال الدول تدفع رسوما باهظة للحصول على أخبار من وكالات غربية، في مشهد يعكس اختلالا في السيادة الإعلامية، ويُعيد إنتاج التبعية المعرفية

أزمة الإعلام العربي: فشل التوحيد وتبعية المحتوى

في المقابل، لم تنجح الدول العربية والإسلامية في بناء وكالة أنباء موحدة قادرة على منافسة الهيمنة الغربية. تأسس اتحاد وكالات أنباء دول منظمة التعاون الإسلامي (UNA) واتحاد وكالات الأنباء العربية (فانا)، لكنهما فشلا في تحقيق أهدافهما لأسباب متعددة، من أبرزها:

إعلان
  • الانقسام السياسي بين الدول الأعضاء، ما حال دون تبني خطاب إعلامي موحد.
  • ضعف التمويل والتخطيط الإستراتيجي، ما جعل الوكالات تعتمد على خدمات غربية باهظة الثمن.
  • غياب التدريب والتطوير المهني، الأمر الذي أدى إلى ضعف المحتوى التحريري والتقني.
  • الاعتماد على الوكالات الأجنبية كمصدر أولي، ما جعل الإعلام العربي يعيد إنتاج سرديات الآخر بدلا من بناء سرديته الخاصة.

ورغم وجود وكالات وطنية، لا تزال الدول تدفع رسوما باهظة للحصول على أخبار من وكالات غربية، في مشهد يعكس اختلالا في السيادة الإعلامية، ويُعيد إنتاج التبعية المعرفية.

إن نجاح سانا في هذه المهمة لا يعني فقط استعادة السيادة الإعلامية، بل المساهمة في بناء دولة سورية جديدة، تتحدث بلغتها، وتكتب سرديتها، وتُعيد الاعتبار للرأي العام المحلي كفاعل تاريخي

سانا: انطلاقة جديدة في دولة تتشكل

في ظل هذه التحديات، تسعى وكالة الأنباء السورية سانا إلى إعادة تعريف دورها، عبر بناء رأي عام وطني واعٍ قادر على التصدي للحملات الإعلامية المشوهة التي تستهدف بنية الدولة الجديدة.
ورغم التحديات التقنية والبشرية، تبرز الحاجة إلى:

  • تحديث آلية التوظيف؛ لضمان استقطاب الكفاءات الوطنية الفاعلة.
  • إعادة هيكلة المحتوى التحريري ليعكس تطلعات المجتمع السوري ويواكب المعايير الدولية.
  • الاستثمار في التدريب والتقنيات الحديثة لبناء شبكة مراسلين قادرة على تغطية الحدث من قلب المجتمع.

إن نجاح سانا في هذه المهمة لا يعني فقط استعادة السيادة الإعلامية، بل المساهمة في بناء دولة سورية جديدة، تتحدث بلغتها، وتكتب سرديتها، وتُعيد الاعتبار للرأي العام المحلي كفاعل تاريخي.

تمثل وكالة سانا نموذجا أوليا لمحاولة الخروج من التبعية، عبر بناء رأي عام وطني واعٍ، وتحرير الخطاب من هيمنة الخارج، رغم التحديات التقنية والبشرية

الإعلام كسيادة وطنية: من التبعية إلى الاستقلال السردي

في زمن تتعدد فيه أدوات الهيمنة، لم يعد الإعلام مجرد وسيلة لنقل الحدث، بل أصبح ساحةَ صراع على الوعي العام، وميدانا لإعادة تشكيل المفاهيم والهويات.

فوكالات الأنباء العالمية التي نشأت في سياق استعماري لا تزال تُعيد إنتاج سرديات القوى الكبرى، وتُمارس التحيز تحت غطاء الحياد، بينما يظل الإعلام العربي في موقع المتلقي، يعيد تدوير ما يُكتب عنه لا ما يُكتب منه.

إن استعادة السيادة الإعلامية ليست ترفا فكريا، بل ضرورة إستراتيجية في مسار بناء الدولة والمجتمع؛ فالدولة التي لا تملك سرديتها، لا تملك حقها في التاريخ، ولا قدرتها على صياغة المستقبل.

وفي هذا السياق، تمثل وكالة سانا نموذجا أوليا لمحاولة الخروج من التبعية، عبر بناء رأي عام وطني واعٍ، وتحرير الخطاب من هيمنة الخارج، رغم التحديات التقنية والبشرية.

لكن هذا المسار يتطلب أكثر من مجرد تطوير تقني؛ فهو يحتاج إلى رؤية تحريرية مستقلة، وآلية توظيف شفافة، واستقطاب للكفاءات الوطنية القادرة على إنتاج محتوى يعكس الواقع السوري، ويخاطب العالم بلغة السيادة لا بلغة الاستجداء.

فالإعلام ليس مرآة للحدث فحسب، بل هو جزءٌ من الحدث، وصانعٌ للوعي، وشريكٌ في بناء الدولة الجديدة. وفي لحظة تاريخية تتشكل فيها سوريا من جديد، لا بد أن يتشكل إعلامها معها: إعلامٌ يكتب من الداخل لا يُملى من الخارج، إعلامٌ يُنصت للناس لا يُردد ما يُقال عنهم، إعلامٌ يُعيد الاعتبار للإنسان السوري كفاعل في التاريخ لا كموضوع في تقارير الآخرين.

إعلان

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان