كان لي الشرف أن أكون ضمن الوفد الطبي لمنظمة "رحمة حول العالم" إلى قطاع غزة، في شهر يوليو/تموز 2025، برفقة ممرض وخمسة أطباء آخرين من جنسيات مختلفة.
أول صدمة: غزة بين الأطلال
منذ اللحظات الأولى لدخولنا إلى القطاع، عبر معبر "كرم أبو سالم"، تراءت أمام أعيننا أطلال مدينة رفح، التي كانت تعجّ بالحياة ثم حوّلتها يد الظلام إلى كومة من الإسمنت.
وبمجرد أن وصلنا إلى نقطة توزيع المساعدات صُدمنا بأعداد الجثث المتناثرة على جنبات الطريق: نساء، ورجال، وشباب طالتهم رصاصات المحتلين. وهناك عدد هائل من المصابين، إما يُحملون على الأعناق، أو يُتركون لمصيرهم المحتوم، نظرا لكون الاحتلال يمنع وصول سيارات الإسعاف إلى هناك.
وجدنا أنفسنا وسط أمواج بشرية أنهكها الجوع، والعطش، والتعب، والخوف، وأشعة الشمس الحارقة.. فكانت عربتنا بالنسبة لهم طوق نجاة لحملهم أو حمل مصابيهم، وربما جثث أقاربهم.
حملنا معنا من المصابين ما سمحت به الطاقة الاستيعابية لعربتنا، مما تسبب في موجة غضب لدى من لم نستطع مساعدتهم. لا يمكننا أن نلومهم على ذلك؛ فمثل هذه الظروف الصعبة قد تتحول إلى كارثة، ضمن ما يُعرف بـ"سيكولوجيا الجماهير" كما وصفها الكاتب الفرنسي غوستاف لوبون. ولولا أن أهل غزة شعب أصيل، متخلق وواعٍ، فلربما توقفت قافلتنا هناك وإلى الأبد.
عندما ترى فظاعة الإصابات، وتسمع أصوات القصف الشديد والمستمر من الطائرات الحربية، والدبابات، والسفن البحرية، تشعر وكأنك أمام حرب عالمية تُشنّ على شعب أعزل، محاصر ومجوع
الوصول إلى المستشفى
مع صبيحة اليوم التالي، تم توزيعنا على مستشفيات الشفاء، والمعمداني، والعيون. كنت ضمن وفد مستشفى الشفاء، والذي كان يُعدّ أكبر مؤسسة صحية في القطاع، ومرجعا مهما في مسار العلاجات والتكوين الطبي، قبل أن يتم تدميره كليا من طرف الاحتلال.
لكن إصرار وجهود الأطر الصحية، والأهالي، والمنظمات، أثمر عن إعادة تشغيل بعض مرافقه بسعة محدودة جدا، لا يمكنها استيعاب العدد الهائل من المصابين، خاصة بعد خروج العديد من مستشفيات الشمال عن الخدمة.
كنت ضمن فريق التخدير، المكوّن من أطباء وفنيين وتقنيين، نشتغل دون توقف في ثلاث غرف عمليات فقط، وبإمكانات محدودة. تحضر بعض الأدوية وتغيب أخرى، وكل مرة نضطر لتغيير البروتوكول العلاجي ليتأقلم مع المتوفر.
نستقبل مصابين من جميع الأعمار؛ فمنهم رُضّع، وأطفال، وشباب، وشيوخ، رجال ونساء. منهم من هو ضحية القصف المستمر اليومي، ومنهم ضحايا مراكز توزيع المساعدات أو- كما تُسمى- "مصائد الموت".
أنواع الإصابات
الإصابات التي كنا نُعاينها يوميا يمكن اختصارها في خمسة أنواع رئيسة:
- إصابات الانفجارات والقصف: كسور، نزيف دماغي، إصابات صدر وبطن، بتر، حروق، فقدان البصر.
- إصابات الشظايا والرصاص: جروح نافذة، إصابات الأوعية الدموية الكبرى، شلل بسبب إصابة النخاع.
- إصابات السحق (Crush Injuries): نتيجة انهيار المباني مترافقة مع متلازمة الهرس والفشل الكلوي.
- مضاعفات نقص الإمكانات: الالتهابات، والتعفنات، والنزيف المتأخر، وفشل بعض الأعضاء، وذلك نتيجة غياب الأدوية والأجهزة والأسرة الكافية في المستشفى، وخاصة في الإنعاش.
- إصابات نفسية: صدمات نفسية، اضطراب ما بعد الصدمة، خاصة عند الأطفال.
من بين كل المشاهد التي رأيتها، أكثر ما لن أنساه أبدا هو نظرات الأطفال قبل البتر وبعده! أصبحت أعرف تلك النظرة: نظرة الخوف من المجهول، من الألم، من فقدان جزء من الجسد
مشهد الحرب
عندما ترى فظاعة هذه الإصابات، وتسمع أصوات القصف الشديد والمستمر من الطائرات الحربية، والدبابات، والسفن البحرية، تشعر وكأنك أمام حرب عالمية تُشنّ على شعب أعزل، محاصر ومجوع.
الأبطال المحليون
الطاقم المحلي في المستشفى كان استثنائيا؛ أطباء وممرضون وإداريون يعملون تحت تأثير إرهاق جسدي ونفسي كبير. فقد بعضهم بيته، والبعض الآخر فقد أفرادا من أسرته، لكنهم يأتون يوميا بكل قوة وصبر ليؤدوا واجبهم المهني.
يعملون في كثير من الأحيان ببطون فارغة، ويُعانون- كغيرهم من سكان القطاع- من حرب التجويع، في ظل غياب شبه تام للرواتب، وإن وُجدت فهي لا تغني شيئا، مقارنة مع الأسعار الخيالية للمواد الغذائية.
نظرات لا تُنسى
من بين كل المشاهد التي رأيتها، أكثر ما لن أنساه أبدا هو نظرات الأطفال قبل البتر وبعده! أصبحت أعرف تلك النظرة.. نظرة الخوف من المجهول، من الألم، من فقدان جزء من الجسد في عمر لم يكتمل فيه الوعي بالحياة بعد.
أرى في أعينهم أسئلة لا تُقال: هل سأستطيع المشي مرة أخرى؟ هل سأعود لألعب؟ هل سأركض مع إخوتي؟ ثم تأتي النظرة الأخرى بعد العملية: صامتة، منكسرة أحيانا، أو شاردة في الفراغ، وكأن الطفولة فُقدت مع ما فُقد من الجسد.. هي نظرات لا تُدرّس في كليات الطب، لكنها الحقيقة التي نحملها معنا في صدورنا بعد انتهاء كل عملية.
لا يوجد شخص في غزة لم يفقد منزله أو أفرادا من أهله، أو لم يُشرّد ويُجوَّع، ورغم ذلك فإن كلمة "الحمد لله" لا تفارق ألسنتهم
وداع غزة
مر أسبوعان، خلالهما عشنا معهم آلامهم وقصصهم القاسية، واحتضنونا في وسطهم وكأننا منهم، ثم حان وقت الرحيل.. غزة وأهلها تركوا فينا أثرا لن يُمحى، وأعطونا دروسا في الإيمان، وفي الكرم حتى وسط التجويع، وفي الصبر على البلاء، فعلا وليس قولا.
لا يوجد شخص في غزة لم يفقد منزله أو أفرادا من أهله، أو لم يُشرّد ويُجوَّع، ورغم ذلك فإن كلمة "الحمد لله" لا تفارق ألسنتهم.
عدتُ إلى المغرب، وبقي جزء مني هناك، أحمل في داخلي وجعا لا يهدأ، لكنه مقرون بفخر أنني كنت جزءا من فريق حاول أن يصنع فرقا -ولو صغيرا- في مكان أنهكته الحرب، لكنه لا يزال يقاتل من أجل الحياة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

