جيل الترجمة: أطفال فقدوا طفولتهم بين لغتين

جيل الترجمة: طفولة على أكتاف الكلمات
الكاتبة: الترجمة ليست مجرّد كلمات تُنقل من لغة إلى أخرى؛ إنها ترجمة لمشاعر القلق (الجزيرة)

في قاعة الانتظار بالمستشفى، يجلس الأب صامتا يحدق في الأرض بقلق، بينما يقف بجانبه طفل في الثانية عشرة يحمل ورقة التحاليل بيد مرتجفة.

يوجه الطبيب حديثه إلى الطفل لا إلى الأب، والطفل يحاول أن يجمع بين الكلمات الغريبة التي تعلمها في المدرسة وبين الخوف الذي يراه في عيني والده. في لحظة واحدة، يتحول هذا الطفل من تلميذ يلهو في الملعب إلى مترجم رسمي، من ابن يحتاج إلى حماية أبيه إلى جسر يربط عائلته بعالم لا يعرف لغتها.

الطفل الذي سمع الطبيب يشرح مرض والده بلغة لا يفهمها أحد سواه، سيظل يتذكر أنه كان أول من عرف الحقيقة

هذا المشهد يتكرر في كل بيت من بيوت اللاجئين تقريبا؛ في المدارس حين تجلس الطفلة بجانب أمها لتشرح لها كلام المعلمة، وفي مكاتب البلدية حين يترجم الطفل للموظف أسئلة عن السكن والضرائب، وحتى في البقالة حين يساعد والده على فهم عبارات بسيطة.. كأن هؤلاء الصغار يحملون على أكتافهم عبء جيل كامل، ويُختزل دورهم في كلمة واحدة: "الترجمة".

لكن هذه الترجمة ليست مجرد كلمات تُنقل من لغة إلى أخرى؛ إنها ترجمة لمشاعر القلق، وللتفاوت بين عالمين، ولترتيب أدوار انقلبت رأسا على عقب؛ فالطفل يصبح ولي أمر، والابن يتحول إلى محامٍ أو طبيب أو موظف بلدية قبل أوانه.

وحين يخرج هذا الجيل إلى العالم، يبدو أكثر نضجا من أقرانه، لكنه في أعماقه يحمل ندوبا خفية. الطفل الذي سمع الطبيب يشرح مرض والده بلغة لا يفهمها أحد سواه، سيظل يتذكر أنه كان أول من عرف الحقيقة. والطفلة التي نقلت لوالدتها كلمات القسوة من موظف الهجرة ستظل تحمل ثقلها على كتفيها سنوات طويلة.

إنهم جيل يعيش بين لغتين، بين عالمين، بين طفولة مسروقة ومستقبل يطالبه بالنضج المبكر

ورغم ذلك، فإن جيل الترجمة ليس ضحية فقط، بل هو صانعُ جسور. هؤلاء الصغار هم من جعلوا عائلاتهم تقف على أقدامها من جديد، هم من فتحوا أبواب المدارس والمستشفيات والمؤسسات، هم الذين أدخلوا اللغة الجديدة إلى بيوتهم، وجعلوا المستقبل ممكنا رغم كل شيء.

إعلان

لكن يبقى السؤال: من يترجم لهم مشاعرهم الخاصة؟ من يخفف عنهم ثقل الدور الذي وُضعوا فيه دون استئذان؟ إنهم جيل يعيش بين لغتين، بين عالمين، بين طفولة مسروقة ومستقبل يطالبه بالنضج المبكر.

وربما علينا، نحن الكبار، أن نعترف أولا بهذا الثمن الذي يدفعونه، وأن نترك لهم مساحة ليكونوا أطفالا مرة أخرى، ولو للحظة. فجيل الترجمة يستحق أن يُترجم له العالم يوما ما.. أن يُقال له بلغته البسيطة إن الحياة ليست فقط جسرا للآخرين، بل بيتا آمنا له أيضا.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان