المدينة التي تبتغي الفضيلة.. والواقع يخذلها

مكافحة الفساد
مكافحة الفساد (شترستوك)

يبدو المشهد في أول النهار مزدحما؛ ففي مكاتب الوزارة في عاصمة البلاد، يتوافد السكان من كل حدب وصوب لإنجاز مهامهم التي تحتاج للعديد من الساعات، لكن الحقيقة المرة سرعان ما تطفو على السطح.

في العاصمة، يخدم موظفو الوزارة الشعب أربع ساعات فحسب من نهارهم ذي السَّبح الطويل، ثم يغادرون حجرات عملهم مع إسدال ستار الساعة السادسة متسابقين كأنهم يفرون من محبس للإنس.

فإنتاجيتهم لا تتعدى تلك الساعات الأربع، تليها ساعتان للراحة و"طق الحنك"، وكأن الزمن عندهم سلعة بالية لا قيمة لها، وكأنما واجبهم نحو من ينتظرون إتمام معاملاتهم في صفوف طويلة مجرد روتين ثقيل.

يجادلك موظف حديث عهد بالعمل بأنه لا يفعل سوى ما تمليه عليه التعاميم الوزارية، ويخاف من سطوة المساءلة القانونية أكثر من رغبته في مساعدة الإنسان. هنا يصبح القانون معطلا للعقول

في منعطف آخر من منعطفات هذه المدينة، يقف المواطن أمام مفارقة صارخة بين الوعد والحقيقة؛ ها هو يشتري دارا من أشهر شركات البنيان، تلك التي حازت أوسمة الجودة المحلية والعالمية، والتي يصدح إعلامها بسمعتها التي تتوارثها الأجيال.

ثم إذا به بعد شهر من سكناه يتفاجأ بالتصدعات تتفرع في جدران البيت كتشعبات البرق في السماء؛ وكأنما البناء قام على أسس من وهم لا من إتقان.

يا ترى، ما قيمة تلك الشهادات البراقة الآن؟ وأين ضمانات الجودة التي ملأت الآفاق؟ يجد المواطن نفسه حائرا بين ما شاهدته عيناه وبين الوعود على أوراق الضمان.

تمتد دهشتك في هذه المدينة حين تحاول فتح ملف "حالة خاصة" في مستشفى حكومي لجارك المريض الطاعن بالعمر، الذي أنهكته آلام الكلى الموجعة، فيُرفض طلبك رفضا قطعيا؛ لأن المريض "لا يحمل الجنسية المرغوبة، ولا يمتلك وثيقة التأمين الصحي".

ثم يجادلك موظف حديث عهد بالعمل بأنه لا يفعل سوى ما تمليه عليه التعاميم الوزارية، ويخاف من سطوة المساءلة القانونية أكثر من رغبته في مساعدة الإنسان. هنا يصبح القانون معطلا للعقول التي تفكر بمساعدة غيرها، وتتحول إلى جدار يفصل بين الإنسان وحقه في العلاج.

إعلان

وتتعقد الأمور أكثر حين تزور عمدة الحارة لتوقيع أوراق معاملة حكومية، فيأبى التوقيع بكل فظاظة، ويوجهك إلى مكتب مجاور لجلب أوراق إضافية. لكن موظف ذلك المكتب يرفض إعطاءك الورقة، ويطلب مقابل أن يمسك بزمام موضوعك خمسة آلاف دولار!

عندها تتبين الحقيقة المرة، وتدرك أن هذا الموظف والعمدة خلفه ما هما إلا حلقة في عصابة ترتزق بجهل الناس بالقوانين والأنظمة، ولا يعلمان أن طريق الجهل واستغلال حاجات الناس سيقودهما- عاجلا أم آجلا- إلى هاوية الحياة.

أما في مؤسسات الدولة، التي يُفترض أنها تبحث عن الكفاءة، فالأمر لا يقل إيلاما.. تتقدم لإجراء مقابلة شخصية في منشأة حكومية، فيقول لك مديرها بعد أن أنهى مقابلتك مع زملائه الأربعة: "نحن قبلناك لأنك رجل ولأنك فاضليّ" (نسبة إلى هذه المدينة الفاضلة)! يضرب هذا المدير عرض الحائط بخبرات وقدرات ومواهب طالب العمل، ويختزل قيمته بكونه رجلا وكونه فاضليّا؛ فتتساءل: كيف هي قيم المجتمع الذي تتفوه نخبه كلاما من هذا النوع؟ وأي طريق سيُشق للتقدم إذا كان الانتماء الطائفي والجنسي هو المعيار الأول؟

إن المدينة التي تريد أن تصبح فاضلة تحتاج إلى أكثر من مجرد شعارات براقة.. تحتاج إلى نظام عادل، وإلى أصالة نفوس تتحلى بالمسؤولية، وإلى قيم تضع الإنسان في قلب اهتمامها

وعلى صعيد آخر في شكل الحياة في ذلك المكان، حين تئن روحك وتستغيث طلبا للنجاة مما حل بها، تلجأ إلى مختص كي يساعدك؛ فتدفع له ثلاثمائة دولار لأجل لقاء افتراضي بالفيديو، يستمع فيه إلى مشكلتك، ويقدم لك النصيحة المناسبة، لأنك لم تجد الصدوق الذي يمنحك بضع دقائق من وقته، ويستثمر في مساعدتك لتذليل الأزمة وتخفيف وطأة الحزن والتعب.

إن المدينة التي تريد أن تصبح فاضلة تحتاج إلى أكثر من مجرد شعارات براقة.. تحتاج إلى نظام عادل، وإلى أصالة نفوس تتحلى بالمسؤولية، وإلى قيم تضع الإنسان في قلب اهتمامها. فبدون ذلك، ستظل الفضيلة مجرد حلم بعيد، وسيبقى الواقع يؤلمنا بشدته وقسوته.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان