كان يوم الاثنين، الثالث عشر من أكتوبر/ تشرين الأول، يوما معلقا بخيط رفيع من الأمل، مشدودٍ فوق هاوية من الانتظار؛ لم يكن يوما عاديا في تقويم غزة، بل كان موعدا مرتقبا لبيوت لها خلف القضبان روح معذّبة، فلكل أسير في قلوب أهله وجع حي، ولكل اسم في قوائم الأسرى حلم بالحرية يراود أما أو أبا أو زوجة أو طفلا كل ليلة.
منذ أن تسربت رياح البشرى بإتمام صفقة التبادل، ونحن نعيش على وقع الأمل؛ كان اسم أخي عبدالرحمن يتردد في دعواتنا كأنه تعويذة الفرج، في حين كانت الأخبار تأتينا متضاربة، بين خبر يضيء في القلب شمعة، وآخر يطفئها برياح الخيبة. لكن الفجر الصادق أتى صباح الاثنين، حين نشرت القوائم كأنها صحائف القدر.
تسمرت أعيننا على الشاشة، تبحث عن تلك الأحرف الثلاثة: عين، وباء، ودال.. عبدالرحمن. نعم، لقد وجدناه!
للحظات، تجمد الزمن.. هل نصدق؟ هل حقا سيطوي عبدالرحمن عاما من القهر، ويخرج من مقبرة الأحياء تلك؟ عاما مر كأنه دهر، ترك فيه خلفه أبا مكلوما، وأربعة أطفال وزوجة صابرة، يحملون غيابه جرحا نازفا في صدر كل يوم.
لم يكن عبدالرحمن مقاوما قبل أسره، بل كان رجلا مدنيا بسيطا، تدور حياته في فلك عمله وأطفاله، يبني لهم من تعبه جدران أمان. اعتقلوه من شمالي قطاع غزة، وهو متشبث ببيته يرفض إخلاءه
لم ننتظر سيارة، ولم نملك ترف الانتظار؛ خرجنا جميعا بقلوب تسبق أقدامنا، ومشينا لساعات وساعات حتى بلغنا مستشفى ناصر، هناك حيث سيعانق الأبطال فجر حريتهم الأول.
كانت الأجواء هناك سيمفونية عارمة، اختلطت فيها ضحكات الفرح بدموع الشوق، في تلاحم إعجازي بين النقيضين، لا يحدث إلا في لحظات الفرج التي تشبه المعجزات. كان ذلك اليوم عيدا، بل هو العيد الحقيقي؛ فقد تحرر جزء من أرواحنا من الأسر، من الظلم والقهر والإذلال.
يومها أصررت أن أكون هناك، في قلب المشهد، لأني كنت بحاجة ماسة لأن أرى هذا الفرح بعيني، أن أستنشق هواء الأمل وهو يرفرف فوق رؤوسنا، وأن أشعر بأن للحياة بقية لم تسحق تحت ركام عامين من الموت والهم.
لم يكن عبدالرحمن مقاوما قبل أسره، بل كان رجلا مدنيا بسيطا، تدور حياته في فلك عمله وأطفاله، يبني لهم من تعبه جدران أمان. اعتقلوه من شمالي قطاع غزة، وهو متشبث ببيته يرفض إخلاءه. وكيف له ألا يصمد، وهو الذي غنى بصوته الجبلي: «صامدين ومرابطين»؟ فأي ذنب اقترف؟
لعل بقاءه في منزله كان ذنبا لا يغتفر، أو لعل وجوده على أرض وطنه تهمة في قانونهم الغاشم، أو ربما كانت جريمته الوحيدة أنه فلسطيني!
رغم مئات الآلاف من دقائق الألم والقهر، ورغم كل مخططاتهم لتحطيم نفسه، خرج عبدالرحمن مرفوع الرأس، كله إصرار على أن يواصل الحياة من نقطة الصفر، من تحت ركام الألم
أخبرنا عبدالرحمن كيف شعر خلال أسره بأن الإنسانية قد تبخرت من هذا العالم، وأن سجانيه كانوا وحوشا بهيئة بشر، يبدؤون صباحهم بسياط التعذيب وينهون يومهم بصفعات الإهانة، ويتخلل النهار فصول مصطنعة من القمع والإجرام. وأكد أن الأسير يحرم من أبسط حقوق الحياة: من دواء يسكن ألمه، وطعام يسد جوعه، وملبس يستر جسده.
ويروي عبدالرحمن كيف زاره الصليب الأحمر قبل الإفراج عنه بيوم، واستغرابه من لطف معاملتهم له؛ فقد نسي تماما كيف تكون المعاملة الإنسانية اللائقة، بعد أن عوده سجانه لغة القمع والإرهاب فقط.
ورغم مئات الآلاف من دقائق الألم والقهر، ورغم كل مخططاتهم لتحطيم نفسه، خرج عبدالرحمن مرفوع الرأس، كله إصرار على أن يواصل الحياة من نقطة الصفر، من تحت ركام الألم. وكيف لا، وهو الذي كان يغني: «لن نركع أبدا، لن نركع، لن يرهبنا صوت المدفع»؟
وكيف لهم أن يقتلعوا حبه لوطنه من صدره، وهو الذي ترنم دائما بـ «يا بلادي يا بلادي»؟ وكيف لهم أن يمحوا أرضه من ذاكرته، وهو الذي أقسم بأغانيه أن «والله ثراك بلادي ما ينتسي والدار»؟ كانت هذه الأناشيد وقوده وصلاته، وزاده في الصبر داخل السجن.
اليوم، كتبت غزة فصلا جديدا في ملحمة صمودها؛ فصفقة الحرية هذه لم تكن مجرد تحرير أبطال، بل كانت شهادة على إرادة شعب يأبى الركوع
أكثر ما أدهشني فيه أنه، رغم الكهف العميق الذي خرج منه، وكان فيه معزولا عن أخبار العالم، ظل الأمل يقطر من روحه، ويرى الحياة من حوله بشفافية ووردية لم نعد نراها نحن الذين كنا في "الحرية".
بفضل الله، لم يستطيعوا قتل روحه الجميلة، ولم يتمكنوا من سرقة ابتسامته، رغم كون الأسر مشروعا صهيونيا ممنهجا لقتل الإنسان ومسخ روحه وسحق قلبه؛ إذ يتوقعون أن يخرج الأسير جسدا خاويا منزوع العقل والكرامة.
يا الله، ما أقسى السجن! وما أحن الحرية! وما أعظم صبر الأسرى وثباتهم!
اليوم، كتبت غزة فصلا جديدا في ملحمة صمودها؛ فصفقة الحرية هذه لم تكن مجرد تحرير أبطال، بل كانت شهادة على إرادة شعب يأبى الركوع. لقد فرضت غزة، بعد عامين من المجازر، معادلة الكرامة، لتثبت أن الحرية لا تمنح، بل تنتزع.
إن فرحة صفقة الحرية ليست إلا بروفة مشرقة ومؤثرة ليوم النصر العظيم، الذي نوقن أن صبحه قريب…
اللهم تمم فرحتنا بتحرير كل أسرانا وأسيراتنا، وكل ثرى فلسطين.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

