حين ننظر إلى صفحات التاريخ، من ملوك وأباطرة إلى رؤساء، حكام عسكريين وزعماء حركات سياسية، غالبا ما نجد صورة مدهشة، هي: شعوب مخلصة لزعماء فشلوا اقتصاديا، وسياسيا، وإنسانيا، لكنهم ظلوا في السلطة، وحافظوا على ولاء كبير من الناس.
لماذا يحدث هذا؟ ما القوى العميقة التي تجبر المجتمعات على الإبقاء على ولاء يبدو عند كثيرين غير عقلاني أو حتى مدمر؟ وكيف يمكن، مع الزمن، أن تتخلص الشعوب من هؤلاء الزعماء ويصبح الوضع أفضل؟
عندما يتراكم الفشل، يميل كثير من الزعماء إلى تصوير النقد والمؤاخذات على أنها مؤامرة أو خيانة أو تدخل خارجي.
هذه الإستراتيجية تحول النقد الموضوعي إلى فعل شيطنة
العناصر النفسية والاجتماعية للولاء غير العقلاني
- الهوية والانتماء
إن البشر كائنات اجتماعية أولا، يبحثون عن الانتماء، عن جماعة يشعرون أنها "نحن"، لها قيم مشتركة، لغة مشتركة، وتاريخ مشترك.
الزعيم، حتى لو كان فاشلا، غالبا ما يصاغ في الوعي الشعبي باعتباره رمزا لهذا الانتماء؛ فهو الذي يدافع عن الكرامة، عن الهوية، أو من يجسد المقاومة ضد قوى أخرى، سواء كانت أجنبية أو داخلية.
وعندما تتماهى هوية الفرد مع هوية الجماعة أو القومية التي يقودها الزعيم، يصبح النقد له نقدا للذات، وللهوية. الهجوم على الزعيم يحس به كإهانة للكيان الجماعي، ما يضع حاجزا كبيرا أمام العقل والنقد الموضوعي.
- الأمل المعقود.. الخوف من فقدان كل شيء
حتى الزعماء الفاشلون يوهمون الناس بالأمل: وعد بالتحسين، بالتحول، بتحقيق إصلاح. ولعل هذا الأمل هو ما يبقيهم في الواجهة؛ فالناس تميل إلى الانتظار، إلى الإيمان بأن الكوارث مؤقتة، وأنه سيأتي الزمان الذي تترجم فيه الوعود إلى أفعال.
في المقابل، الخوف أيضا قوي جدا: من الفوضى، من الفراغ، من البدائل المجهولة أو ربما الأسوأ. من استبدال زعيم فاشل بآخر مجهول قد يكون مصير الشعب معه أكثر ضبابية وخطورة. وغالبا ما يستخدم الزعيم الفاشل سلطاته أو شبكاته ليزرع الخوف: من الانقسام، من العنف، من العقاب، من الاستهداف، ومن "الأعداء".
- الشرعية الرمزية والمؤسساتية
حتى عندما يفشل الزعيم في إدارة الدولة بفاعلية، قد يحتفظ بشرعية ما، تستند إلى التاريخ، أو المؤسسات، أو التقاليد، أو القوانين.
أحيانا لا يوازي الفشل في الأداء اليومي فقدان الزعيم قدرته على الظهور كممثل شرعي للجماعة. كما أن المؤسسات (الجيش، المخابرات، البيروقراطية، الجهاز القضائي، وسائل الإعلام) كثيرا ما تستمر في منحه مواقع قوة، حتى عندما تضعف فاعليته، مما يبعد البدائل المحتملة أو يقوض القدرة على التغيير.
- تحول القيادة الفاشلة إلى "العدو الخارجي"
عندما يتراكم الفشل، يميل كثير من الزعماء إلى تصوير النقد والمؤاخذات على أنها مؤامرة أو خيانة أو تدخل خارجي.
هذه الإستراتيجية تحول النقد الموضوعي إلى فعل شيطنة، فتلهب المشاعر وتحشد الدعم عبر إحساس بأن الزعيم مظلوم أو ضحية، وأن من يعارضونه ليسوا مجرد معارضين، بل خصوما للهوية أو للأمن.
قد يستبدل الزعيم أو يقيد عبر ضغوط النخب، أو الجيش، أو السلطات القضائية، أو من خلال التحول الديمقراطي، حين يصبح الولاء مكلفا إلى درجة لا تطاق
التاريخ مليء بصور الولاء غير العقلاني.. وأيضا بصور التحرر
أمثلة على الولاء رغم الفشل
- الرومان في مراحل انهيار الإمبراطورية: غالبا ما كان الإمبراطور يعتبر رمز الاستمرارية والاستقرار، حتى عندما كانت الدولة تنهار من الداخل، والاقتصاد يتداعى، والحدود تنتهك، والفساد يتفشى. كان الناس، من طبقات مختلفة، يتشبثون بالولاء كنوع من الانتماء للحضارة أو خوفا من المصير الغامض البديل.
- الأنظمة الاستبدادية الحديثة: كثير منها فشل في توفير الصحة والتعليم والعيش الكريم أو حتى الأمان، لكن شعوبها بقيت تدعمها، إما خوفا، أو إيمانا بأن البديل سيكون أسوأ، أو لأنهم تربوا على فكرة أن الزعيم هو الضامن للبقاء. وأحيانا لأن المعارضة محجوبة، ويلاحق منتقدوها، ولا توجد مساحة حرة للمنافسة الحقيقية.
أمثلة على التحرر والتخلص
لكن التاريخ أيضا مليء بصور الانهيار والتغيير، وبانكسار الولاء الجمعي للزعيم الفاشل.
- سقوط الأنظمة الاستبدادية.. في الانتفاضات الشعبية أو الثورات أو بعد الحروب الأهلية، حين يبلغ القمع والفشل ذروته، ويتقاطع الأمل في التغيير مع انفتاح الفرصة (ضعف الأجهزة الأمنية، انشقاقات في القمة، تأثير الإعلام أو الشبكات الاجتماعية..).
- الإصلاحات الداخلية: قد يستبدل الزعيم أو يقيد عبر ضغوط النخب، أو الجيش، أو السلطات القضائية، أو من خلال التحول الديمقراطي، حين يصبح الولاء مكلفا إلى درجة لا تطاق: انهيار اقتصادي، أزمات معيشية، فقدان الأمن، جوع.
يكفي أحيانا أن تمنح الشعوب نفسها فرصة للتعبير والتغيير، حتى إن لم يتغير كل شيء؛ فالشعور بالمشاركة والقدرة على صنع القرار يحرر وينعش المجتمعات
كيف يصبح الوضع أفضل بعد التخلص من الزعيم الفاشل؟
عندما ينجز التغيير -وليس كل تغيير ينجح- فإن بعض النتائج تحسن الحياة:
- تحسين الأداء الحكومي: عندما يحاسب القائد أو يستبدل، تصبح المؤسسات أكثر مسؤولية وشفافية، وتنفتح مساحة للنقد البناء والتجديد.
- حرية أكبر في التعبير والمشاركة: غالبا ما يكون القمع سمة للزعماء الفاشلين الذين يخافون من سقوطهم؛ وبعد رحيلهم تنتعش المعارضة ووسائل الإعلام والمجتمع المدني.
- إعادة توزيع السلطة والموارد: الزعماء الذين احتكروا السلطة غالبا يخلون جزءا منها بعد التغيير، سواء عبر القضاء المستقل، أو الانتخابات النزيهة، أو مؤسسات الرقابة.
- إحياء الأمل والثقة: يكفي أحيانا أن تمنح الشعوب نفسها فرصة للتعبير والتغيير، حتى إن لم يتغير كل شيء؛ فالشعور بالمشاركة والقدرة على صنع القرار يحرر وينعش المجتمعات.
الأمل الخفي -أمل التغيير والإصلاح- يظل موجودا، يحرك المقاومة الداخلية، سواء بالمعارضة الديمقراطية أو بالاحتجاج أو بضغط الرأي العام أو الضغوط الدولية
الخوف والأمل كمحركين أساسيين للسلوك غير العقلاني
إن الاثنين -الخوف والأمل- والتقلب بينهما، يشكلان طوق نجاة أو دائرة مفرغة في ولاء الجماهير:
- الأمل يدفع الناس إلى التماسك والانتظار والتسامح مع الأخطاء، وإلى البحث عن تفسير يرضي النفس بأن الفشل ظرفي ومؤقت، وأن الزمان كفيل بتصحيح الأخطاء إن بقي الزعيم.
- الخوف يجعلهم يخشون البديل، والفتنة، والانفلات، والاستهداف السياسي، والجوع، والحروب. فإذا سقط الزعيم الفاشل، قد يسقط معه الاستقرار أو ما تبقى منه، وقد تظهر الفوضى أو تستغل من قوى أخرى.
- تستخدم رمزية الخوف كثيرا: يشاع أن المعارضين "أعداء الوطن" أو "خونة"، فتكبت الأصوات الناقدة وتخنق الحركات الإصلاحية قبل أن تبدأ.
- لكن الأمل الخفي -أمل التغيير والإصلاح- يظل موجودا، يحرك المقاومة الداخلية، سواء بالمعارضة الديمقراطية أو بالاحتجاج أو بضغط الرأي العام أو الضغوط الدولية.
التاريخ يعلمنا أن الأنظمة التي لا تجدد نفسها مصيرها السقوط، وأن الشعوب، مهما طال صبرها، تظل تطمح إلى قيادة تستحقها
خاتمة
إن ولاء الشعوب لزعماء فاشلين ليس ببساطة "غباء" أو "سذاجة"، ولا هو بالضرورة استسلام مطلق. بل هو خليط معقد من العوامل النفسية (الهوية، الانتماء، الأمل والخوف)، والمؤسسية، والتاريخية، والقيم المجتمعية، وإستراتيجيات الزعماء الذين يعرفون كيف يستثمرون في هذه العناصر.
والتاريخ يعلمنا أن الأنظمة التي لا تجدد نفسها مصيرها السقوط، وأن الشعوب، مهما طال صبرها، تظل تطمح إلى قيادة تستحقها.
فلا بد من لحظة يصبح فيها الولاء عبئا، فيتخلص منه الناس، وتنكسر القيود الرمزية، وتبدأ حقبة جديدة تبنى على الشفافية، والعدالة، والمشاركة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

