اليمن.. حين يتراجع الوطن أمام الولاءات!

Internally displaced people queue to collect water from a truck at a camp in Al Hajjah on November 13, 2024, as the humanitarian crisis in Yemen continues following the onset of the civil war in 2014. (Photo by Essa AHMED / AFP)
الكاتب: الوطن لا يُبنى بمجرد رفع العلم أو القول: «أنا ابن هذا البلد»، بل بالعمل اليومي، والمشاركة، والعدل والمساواة (الفرنسية)

حين تتبدل المعايير وتختزل القيم الكبرى في مصالح صغيرة، يصبح الوطن مجرد لافتة ترفع عند الحاجة، لا شعورا يسكن القلب والعقل.

في زمن الانقسام، يختبر معنى الانتماء الحقيقي، وتنكشف هشاشة الشعارات التي لم تتجذر في الوعي الجمعي. ما يحدث في اليمن اليوم ليس مجرد أزمةٍ سياسية أو صراعٍ على السلطة، بل هو تآكل بطيء لفكرة الوطن نفسها، حيث صار الولاء يتوزع بين القبيلة والحزب والمذهب، وتراجع حضور الهوية الوطنية إلى هوامش الذاكرة.

إن غياب المناخ الحر للنقاش، وضعف الإعلام المستقل، وتشويه المعلومات، كلها عوامل ساعدت على بقاء الولاءات الضيقة. فالإعلام في كثير من الأحيان يروج لسرديات تفرق ولا تجمع، ويغذي الخوف من المختلف، في حين يفترض أن يكون جسرا للمعرفة

الهوية والألم الممتد

في اليمن اليوم، تبدو فكرة الوطن وحبه والولاء له رمادا تحت أقدام الزمن الطويل. لم يعد الولاء للوطن ذاته، بل صار متعلقا بالقبيلة أو الحزب أو المذهب أو الموقع الجغرافي.

هذا الانقلاب في منظومة الولاءات لم يولد فجأة، بل هو نتاج عقود من الفساد، وإهمال التعليم، وتغييب المواطنة، وغياب مفاهيم الهوية الوطنية الجامعة.

الفساد والمحسوبية: استنزاف الثقة الوطنية

منذ توحيد اليمن عام 1990، والحكومات متهمة بتوزيع المناصب والموارد على أساس الولاء الحزبي أو العائلي أو القبلي، لا على أساس الكفاءة أو المصلحة العامة. يشير موقع "Yemeni Peace Committee" إلى أن الأحزاب السياسية استخدمت المناصب سبيلا لتقاسم السلطة والامتيازات، مما أوصل الدولة إلى شرخ عميق مع المواطنين.

التعليم المشوه: إعادة إنتاج الولاء الضيق

التعليم هو الوسيلة التي تنشأ بها العقول وترسخ الولاءات. لكن في اليمن، أصبحت المدارس أدوات لصياغة الولاءات الحزبية أو المذهبية.

تقارير صادرة عن "Carnegie Endowment" تشير إلى أن بعض المناهج في المناطق الخاضعة للحوثيين تم تعديلها لتضمين محتوى يمجد الحركة ويغيب فكرة الوطنية الجامعة.

إعلان

كما يشير "Yemen Policy Center" إلى أن طلاب المدارس في عدة مناطق لا يرفعون علم الجمهورية ولا يسمعون النشيد الوطني في التجمعات الصباحية، بل يستخدم النشيد أو العلم المرتبط بالجهة المسيطرة محليا.

لا يمكن استعادة معنى الوطن الحقيقي إلا بإصلاح شامل يبدأ من التعليم، ومكافحة الفساد، وإعادة الثقة بالمؤسسات

الجهل والإعلام: سلاح يمتد بصمت

إن غياب المناخ الحر للنقاش، وضعف الإعلام المستقل، وتشويه المعلومات، كلها عوامل ساعدت على بقاء الولاءات الضيقة. فالإعلام في كثير من الأحيان يروج لسرديات تفرق ولا تجمع، ويغذي الخوف من المختلف، في حين يفترض أن يكون جسرا للمعرفة. وعندما يغيب النقاش الوطني الصحي، يصبح المواطن عرضة لأن يشكل هويته من خلال الانتماءات الثانوية.

الإفلات من المساءلة وتهميش الشباب

الشباب، وهم الأكثر تضررا من سياسات التهميش المستمرة، يشعرون أنهم ليسوا جزءا من صنع القرار. معدلات البطالة، وإغلاق المدارس، وغياب الخدمات، وقلة الفرص، كلها عوامل تدفعهم إلى الاحتماء بالولاءات الضيقة كملاذ وظيفي أو اجتماعي. هذا التهميش يولد إحباطا كبيرا تغذيه منظومة تعليم متأزمة ومؤسسات تدار بالولاء لا بالكفاءة.

إعادة بناء الولاء الوطني

لا يمكن استعادة معنى الوطن الحقيقي إلا بإصلاح شامل يبدأ من التعليم، ومكافحة الفساد، وإعادة الثقة بالمؤسسات. فالوطن لا يبنى بمجرد رفع العلم أو القول: «أنا ابن هذا البلد»، بل بالعمل اليومي، والمشاركة، والعدل والمساواة. حين يصبح الولاء للوطن هو الأولوية، لا للقبيلة أو الحزب أو المنطقة، هناك يبدأ الشفاء، ويستعاد معنى المواطنة الحقيقية.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان