الضفة الغربية.. موسم الزيتون يتحول إلى موسم دم

هجمات المستوطنين في قرية ترمسعيا @infinite_jaz
المستوطنون هاجموا سيدة في قرية ترمسعيا واعتدوا على متضامنين أجانب (مواقع التواصل)

في كل موسم من مواسم الزيتون، حين يستعد الفلاح الفلسطيني لقطف ثماره، يتهيأ المستوطنون لهجوم جديد. يتحول المشهد الطبيعي إلى ساحة مواجهة، ويغدو الحقل الذي يُفترض أن يكون مهد الحياة مسرحا للعنف والتهجير.

هذا المشهد المتكرر لم يعد مجرد حوادث موسمية معزولة، بل صار ظاهرة موثقة على نطاق واسع. وتشير المعطيات الميدانية الصادرة عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إلى أن الفترة الممتدة من أكتوبر/تشرين الأول 2023 إلى أكتوبر/تشرين الأول 2025 شهدت أكثر من 3100 اعتداء نفذها مستوطنون إسرائيليون ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، ما يجعلها أعلى فترة مسجلة منذ بدء الرصد المنهجي عام 2006.

وفق تقرير منظمة "يش دين" الحقوقية، لم تتجاوز الإدانات الفعلية 6.6% من مجمل القضايا المفتوحة ضد المستوطنين خلال العقدين الأخيرين، ما يكرس منطق الإفلات من العقاب ويمنح الغطاء القانوني لاستمرار العنف بوصفه أداة سياسية

هذا الارتفاع لا يمكن فهمه كحالة استثنائية، بل كمؤشر على تحول نوعي في طبيعة العلاقة بين الدولة الإسرائيلية والمجتمع الاستيطاني، حيث تزايد تداخل الأدوار بين المؤسسة العسكرية الرسمية والجماعات المدنية الاستيطانية إلى حد يجعل الفصل بينهما شكليا أكثر منه واقعيا.

من الناحية القانونية، تبدو الاعتداءات أفعالا جنائية فردية، لكن التحليل البنيوي يكشف أن العنف الاستيطاني جزء من سياسة توسع مدروسة تقوم على نقل سيادة الدولة من القانون إلى الميدان. فالجيش الإسرائيلي يوفر للمستوطنين الحماية أثناء الهجمات أو بعدها، وتُفتح الملفات الجنائية بنسبة متدنية وتنتهي بالإغلاق في أكثر من 90% من الحالات.

ووفق تقرير منظمة "يش دين" الحقوقية، لم تتجاوز الإدانات الفعلية 6.6% من مجمل القضايا المفتوحة ضد المستوطنين خلال العقدين الأخيرين، ما يكرس منطق الإفلات من العقاب ويمنح الغطاء القانوني لاستمرار العنف بوصفه أداة سياسية.

إعلان

العلاقة بين المستوطنين والمؤسسة العسكرية ليست علاقة تبادل مصالح فحسب، بل علاقة تكامل وظيفي؛ فالمستوطنون يمارسون الضغط الميداني لطرد الفلسطينيين من أراضيهم، فيما تتدخل المؤسسة الرسمية لتقنين الأمر الواقع عبر المصادرة، أو إغلاق المناطق بدعوى الأمن. وبهذا المعنى، يصبح العنف الأهلي ذراعا غير رسمية للدولة في عملية إعادة تشكيل الجغرافيا السكانية.

منذ مطلع عام 2024، برز نمط جديد من السيطرة يعتمد على توسيع البؤر الرعوية والزراعية بدل المستوطنات الكلاسيكية. هذا النمط يسمح بالاستيلاء على مساحات أوسع دون إعلان رسمي، ويمنح المستوطنين غطاء قانونيا أكبر.

يُظهر الاقتصاد الفلسطيني درجة عالية من التبعية البنيوية، إذ تُقدر خسائر القطاع الزراعي الناجمة عن اعتداءات المستوطنين بمئات ملايين الدولارات سنويا، وفق تقديرات البنك الدولي

في مناطق الأغوار الشمالية وجنوب الخليل، يُوظف الرعي كوسيلة لاختراق الأراضي الفلسطينية ودفع السكان المحليين إلى الرحيل نتيجة التضييق المتكرر.

هذه السياسة الميدانية تنتج ما يمكن تسميته بـ«التهجير الزاحف»، حيث تتآكل ملكية الأرض تدريجيا دون حاجة إلى قرارات عسكرية أو أوامر هدم علنية.

وتزامن ذلك مع ارتفاع في عدد الاعتداءات على مواسم الزيتون التي تمثل عصب الاقتصاد الريفي الفلسطيني. ففي أكتوبر/تشرين الأول 2025 وحده، وثقت الأمم المتحدة أكثر من سبعين اعتداء خلال أسبوع الحصاد، نصفها تقريبا استهدف قاطفي الزيتون بشكل مباشر. وما يبدو كصدام موسمي هو في الحقيقة آلية منهجية لتفريغ القرى الزراعية عبر ضرب مصدر رزقها الأساسي.

يستند الاستيطان في الضفة إلى منطق التراكم عبر النهب، إذ يجري تحويل الموارد الفلسطينية من أرض ومياه ومسارات تجارية إلى خدمة منظومة اقتصادية مغلقة. فالتوسع الاستيطاني لا يكتفي بالسيطرة على الأراضي، بل يعيد توجيه البنى التحتية لخدمة اقتصاد المستوطنات.

العنف هنا ليس عرضيا، بل أداة لتخفيض كلفة السيطرة؛ لأنه يفرض على الفلسطيني الانسحاب الذاتي من الفضاء دون مواجهة مباشرة مع الجيش.

في المقابل، يُظهر الاقتصاد الفلسطيني درجة عالية من التبعية البنيوية، إذ تُقدر خسائر القطاع الزراعي الناجمة عن اعتداءات المستوطنين بمئات ملايين الدولارات سنويا، وفق تقديرات البنك الدولي.

هذا التآكل الاقتصادي يغذي بدوره موجات الهجرة الداخلية نحو المدن، ويضعف قدرة المجتمع الريفي على المقاومة، ما يحقق أحد أهداف السياسة الإسرائيلية دون إعلان رسمي، وهو تحويل الفلاح الفلسطيني من مالك للأرض إلى عامل مؤقت في السوق الإسرائيلية.

إن استمرار هذا المسار -العنف الاستيطاني- يعني تثبيت نموذج «الضم الزاحف» الذي يحقق الأهداف الجيوسياسية لإسرائيل دون الحاجة إلى إعلان رسمي أو تفاوض سياسي

وعلى الرغم من أن القانون الدولي الإنساني يُعرِف المستوطنين في الأراضي المحتلة بوصفهم خرقا مباشرا لاتفاقية جنيف الرابعة، فإن الاستجابة الدولية تبقى شكلية.

بيانات الإدانة الصادرة عن الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة لا تتجاوز حدود الخطاب الدبلوماسي، بينما يظل غياب آليات المحاسبة الفعلية هو العامل الحاسم في استدامة العنف. فالقانون الدولي، في غياب أدوات تنفيذية، يتحول إلى لغة رمزية لا تملك تأثيرا في الميدان.

إعلان

ما تشهده الضفة الغربية حتى الحادي والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول 2025 ليس مجرد تصاعد في الهجمات، بل هو إعادة صياغة للعلاقة بين الفضاء والأمن والسيادة. تتحول الأرض تدريجيا إلى خريطة مفككة من مناطق سيطرة متداخلة، حيث يختلط القانون العسكري بالمدني، والمستوطن بالجندي، والعنف الفردي بالسياسة الرسمية.

في هذا السياق، يصبح العنف الاستيطاني جزءا من منظومة الحكم نفسها لا خروجا عليها. إن استمرار هذا المسار يعني تثبيت نموذج «الضم الزاحف» الذي يحقق الأهداف الجيوسياسية لإسرائيل دون الحاجة إلى إعلان رسمي أو تفاوض سياسي.

وهكذا تتحول الاعتداءات اليومية، التي قد تبدو جزئية أو محلية، إلى إستراتيجية دولة تعمل ببطء ولكن بفاعلية لتغيير موازين الأرض والديمغرافيا والاقتصاد معا.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان