المعمّرون في دفة القيادة.. أخلاقية الاستمرار وأدب الاعتزال!

ميدان - منصة إدراك مهرات القيادو والعمل الجماعي
الكاتب: يجب ألا ننسى أن الأجيال الصاعدة هي من سيتأثر مستقبلا بالسياسات الحديثة (مواقع التواصل)

سياسيون ومشرعون يُؤتى بهم من دور الرعاية للتصويت على قرارات مصيرية بحق الشعوب، أو بغرض التواجد جسديا لإتمام نصاب برلماني ما.

وقيادات في أعلى هرم السلطة آثرت الاستمرار في دفة القيادة، والعالم يشاهد تدهور قواها العقلية التي قد يشكل تقدم السن العامل الرئيس فيها، ما يثير علامات استفهام حول مدى الحكمة من التمسك بدفة قيادة المؤسسات العامة، خاصة تلك المتعلقة بالحكم ومصالح الناس، حتى مراحل متقدمة في العمر! وما هو الوقت المناسب لإفساح الطريق لجيل جديد مقبل على الحياة، يزخر بالطاقة والحيوية والخيال؟

يرى الجيل الصاعد أن دفة الحياة العامة ورسم السياسات المستقبلية تقودهما في أغلب الأحيان أجيال عركت الحياة سنين عددا، وبالتالي فلا مناص من قبول حقيقة أن تلك الأجيال تمتلك الخبرة والعلاقات العامة اللازمة لحماية مصالحها.

وعليه فمن البديهي أن رسمها للسياسات المستقبلية لا يخلو من هندسة -ولو جزئية- لحماية مصالحها، في ظل قصور واضح في إنتاج الخيال اللازم الذي يمكّن من التماهي مع تطلعات الأجيال الناشئة.

وفي ظل كل ذلك، تنظر الأجيال الجديدة بعين فاحصة لما يجري حولها، وكيف سيؤثر ذلك على شغفها بتشكيل حاضرها ورسم مستقبلها الذي لا ترى له أفقا من دون امتلاك دفة الحاضر كاملة غير منقوصة.

كل ذلك يقابله رأي آخر يرى أن المسألة أعمق من مجرد صراع بين جيلين، فالكفاءة هي المعيار وليس السن، وأن الجيل الأكبر سنا لا تعوزه الخبرة ولا البصيرة الثاقبة، مما يصعب استبعاده من أي مقاربة لرسم السياسات العامة.

يتساءل كثيرون عن الدور الشخصي للقادة أنفسهم في تحديد النقطة التي تجمع بين التوازن النفسي وحفظ الكرامة وكرامة الذات، والتي يُتخذ عندها قرار الاعتزال الطوعي ليأخذ الزمان دورته وتتجدد القيادة

مدرسة الكفاءة في مقابل حتمية التغيير

يكتسب الحديث عن السن في مواقع القيادة حساسية خاصة بين مدرسة الكفاءة كمعيار، ومدرسة نقل دفة الأمور عند سن محددة للأجيال الأصغر، لأن ذلك هو السبيل الوحيد لخلق كوادر شابة وخلاقة ربما ترى المستقبل بمنظار مختلف.

إعلان

هذا مع الأخذ في الاعتبار أن إحساس المجتمع وتقديره للنقطة التي تمثل تقدما في السن آخذ في التغير مع الزمن. وفي هذا السياق، تمتلك المؤسسات ذات البناء المحكم -سواء كانت أحزابا سياسية أو أجساما شورية- دوائرها الخاصة التي قد تتوسع أو تضيق، ويكون من صميم مهامها تحسس الكفاءة والقدرة على الاستمرار في القيادة.

كما تمتلك هذه المؤسسات، ضمن نظامها وهياكلها، الأدوات اللازمة للتقييم الموضوعي والدوري الذي يتيح استكشاف عدم الكفاءة لأي سبب من الأسباب، والتي قد يكون التقدم في السن واحدا منها. ولذلك لا يرى الكثيرون غضاضة في استمرار المعمرين في دفة القيادة ما داموا يمتلكون الشغف والقدرات العقلية التي تمكنهم من ذلك.

لكن، فيما يتعلق بالشأن الفردي، يتساءل كثيرون عن الدور الشخصي للقادة أنفسهم في تحديد النقطة التي تجمع بين التوازن النفسي وحفظ الكرامة وكرامة الذات، والتي يُتخذ عندها قرار الاعتزال الطوعي ليأخذ الزمان دورته وتتجدد القيادة، وتُبث أنفاس جديدة في روح المؤسسات قبل أن تدلف هي نفسها إلى مرحلة إعادة تقييم قادتها.

التقاعد لا يعني الركون إلى الفراغ، بل ربما يكون فرصة لإكساب حياة الفرد معاني أعمق وأكثر اتساعا من ذي قبل

البيئة المثالية لتلاقح الأجيال

نظريا، لا شك أن وجود بيئة خلاقة يتواجد فيها المعمرون والأجيال الحديثة جنبا إلى جنب، يستفيد كلٌ منهم من الآخر، هو وضع مثالي. لكن الواقع مليء بالتحديات. فبالقدر الذي يمتلك فيه المعمرون خبرة واسعة في رسم وإدارة دفة الحياة العامة، يجب ألا ننسى أن الأجيال الصاعدة هي من ستتأثر مستقبلا بالسياسات الحديثة.

لذلك من البديهي إعطاؤها صوتا في أعلى المستويات التي تشرف على رسم وهندسة السياسات، بل وتولي زمام الأمور، خاصة في القيادة السياسية والتنفيذية وقيادة الأحزاب. عدم فعل ذلك يمثل إشكالا كبيرا، خصوصا في المجتمعات الديمقراطية التي ترنو لأن تحتفظ أحزابها بحيويتها وحركيتها.

ومن المهم اختيار العبارات الملائمة في هذه القضية الحساسة لكل الأطراف، فبقدر ما هناك إجحاف في إقصاء الأجيال الحديثة من مواقع القرار، فإن مطالبة الفئات كبيرة السن بالتنحي فقط بسبب العمر قد تحمل قدرا من التعالي والتحامل.

كما أنه بقدر الامتنان الذي يجب أن يُنظر به إلى من يقودون دفة الحياة العامة، هناك أيضا أمل في أن يمتلكوا الحصافة لإدراك أن للحياة مراحل، وأن لكل جيل وقته، وأن نقل الخبرة والمعرفة إلى جيل جديد خارج المنصب الرسمي قد يكون عملا نبيلا ومثمرا في ذاته.

فالتقاعد لا يعني الركون إلى الفراغ، بل ربما يكون فرصة لإكساب حياة الفرد معاني أعمق وأكثر اتساعا من ذي قبل.

نرى مرارا نماذج من المعمرين تعوزهم الحكمة والقدرة على التواصل مع الأجيال الجديدة، وتغلب عليهم النزعة للتشبث بالسلطة وعدم التسامح

عدم توازن الأجيال وتهديده للاستقرار

إن مسألة التوازن بين الأجيال في القيادة ليست سهلة، لكن غيابه غالبا ما يكون مقدمة لعدم الاستقرار. وهذه ليست مشكلة حديثة؛ فقد تناولها الفلاسفة منذ القدم.

وبالقدر الذي يتساءل فيه البعض عن جدوى تخلي المعمرين عن شغفهم الذي امتد لعشرات السنين، فإنه لا شك في أن إتاحة فرص أكبر للأجيال الصاعدة أمر ضروري كي تكتسب الخبرة اللازمة لإدارة الغد الذي ستتحمل مسؤوليته.

إعلان

أما مقولة إن السن مرتبط بالحكمة، فقد أثبتت صحتها في كثير من الأحيان، لكننا في المقابل نرى اليوم جيلا من الشباب أكثر انفتاحا وتبصرا وامتلاكا لرؤية متماسكة للحاضر والمستقبل.

وفي الوقت ذاته، نرى مرارا نماذج من المعمرين تعوزهم الحكمة والقدرة على التواصل مع الأجيال الجديدة، وتغلب عليهم النزعة للتشبث بالسلطة وعدم التسامح. وهو سيناريو كارثي للجميع، مما يحتم على هذه الفئة أن تنفتح أكثر على الأجيال الأخرى ومسارات التفكير الجديدة التي تميزها.

إن المطلوب هو البحث في الكيفية التي يمكن أن تتفاعل بها الأجيال المختلفة لإنتاج جيل حديث واثق، قادر على شق طريقه وسط التحديات

ربما حان الوقت للنظر بعين النقد والتشكيك إلى أي تصور للقيادة والرفاه لا يأخذ بعين الاعتبار التوازن بين الأجيال. كما يتوجب إعادة النظر في كل تصور يفترض أن الرفاه المستقبلي نتيجة حتمية لمجهود فكري من ذوي الخبرة، يعوزه التواصل البناء مع متطلبات المستقبل.

إن المطلوب هو البحث في الكيفية التي يمكن أن تتفاعل بها الأجيال المختلفة لإنتاج جيل حديث واثق، قادر على شق طريقه وسط تحديات معقدة، مستفيدا من خبرات الماضي دون أن يكون أسيرا لها، ومنفتحا على المستقبل دون أن يشيطن من سبقوه.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان