شهادة جامعية بلا عمل مضمون

ساحات التظاهر في العراق مكان جمع النساء الثكالى وضحايا البطالة
الكاتب: بعد التخرج، يجد الخريج نفسه أمام واقع مرير! شهادته التي كانت في نظره جواز عبور إلى المستقبل، تحولت فجأة إلى ورقة لا تمنحه أي ضمان وظيفي (الجزيرة)

وهم المستقبل المزيف..

  • كيف خُدع الشباب بأحلام الجامعة والوظيفة الذهبية؟

منذ اللحظة التي يخطو فيها الطالب أولى خطواته داخل أسوار الجامعة، يبدأ في نسج أحلام كبيرة عن المستقبل. يرى في سنوات الدراسة الطويلة استثمارا مضمونا، ويعتقد أن الشهادة الجامعية ستكون بمثابة المفتاح السحري الذي يفتح أمامه أبواب العمل والاستقرار والكرامة.

الأهالي يشاركونه هذه الأحلام، فيضحّون بالمال والجهد والوقت، على أمل أن يعود ابنهم بعد التخرج بوظيفة محترمة تضمن له حياة كريمة.

لكن حين تأتي لحظة الحقيقة بعد التخرج، يتبخر الكثير من ذلك الحلم، ويجد الخريج نفسه أمام واقع مرير! شهادته التي كانت في نظره جواز عبور إلى المستقبل، تحوّلت فجأة إلى ورقة لا تمنحه أي ضمان وظيفي، ولا توفر له الحد الأدنى من الطمأنينة.

القطاع الخاص، الذي يُقدَّم أحيانا كبديل، غالبا ما يطرح عروضا هزيلة لا تضمن كرامة الخريج، برواتب بالكاد تكفي لتغطية مصاريف النقل والطعام

الصدمة الكبرى بعد التخرج

  • شهادة جامعية عاجزة أمام أبواب العمل المغلقة

يصطدم الخريج أولا بسوق عمل مشبع؛ آلاف الطلاب يتخرجون كل عام في التخصص نفسه، بينما فرص العمل الرسمية محدودة تكاد تُعد على الأصابع. وحتى هذه الفرص القليلة، غالبا ما تخضع للمحسوبية أو للعلاقات الشخصية أكثر مما تخضع لمعايير الكفاءة والجدارة.

أما القطاع الخاص، الذي يُقدَّم أحيانا كبديل، فغالبا ما يطرح عروضا هزيلة لا تضمن كرامة الخريج، برواتب بالكاد تكفي لتغطية مصاريف النقل والطعام.

والأسوأ أن معظم المؤسسات تشترط خبرة مسبقة لعدة سنوات، وهو شرط يستحيل على حديث التخرج أن يحققه. وهكذا يجد نفسه في حلقة مفرغة: لا يستطيع أن يعمل من دون خبرة، ولا يمكن أن يكتسب الخبرة من دون عمل.

اليأس يزحف إلى القلوب والبيوت

  • أسئلة الأهل المؤلمة وجرح الخريج الذي لا يلتئم

تتضاعف الأزمة حين يعود الشاب إلى أسرته كل مساء بعد بحث طويل عن وظيفة لا تأتي. أسئلة الأهل تلاحقه: "متى تبدأ العمل؟" أو "ألم تدرس كل هذه السنوات من أجل وظيفة؟"..

إعلان

يشتد الضغط النفسي، ويتحوّل الخريج من شخص مفعم بالطموح إلى شاب يائس يشعر أن سنوات جهده وتعبه ضاعت هباء.

كثيرون يُضطرون في النهاية إلى العمل في مهن بعيدة كل البعد عن تخصصاتهم الجامعية: طبيب أسنان يعمل في متجر للملابس، ومهندس كهرباء يتحول إلى سائق أجرة، وخريج علوم سياسية يفتح بقالة صغيرة.

البعض يهاجر بحثا عن فرصة في الخارج، وآخرون يتركون البلد بالكامل ليبحثوا في الغربة عن شيء لم يجدوه في وطنهم.

تتحول البطالة إلى وباء لا يضرب الأفراد فقط، بل يضرب قيمة العلم نفسها. ويصبح خطر تراجع الإيمان بالتعليم أخطر من خطر البطالة ذاتها، لأن مجتمعا يفقد ثقته بالعلم يفقد أمله في المستقبل

انكسار الحلم القديم

  • حين يفقد العلم بريقه ويصبح الاجتهاد بلا قيمة

الخطر الأكبر لا يقتصر على البطالة نفسها، بل يتعداها إلى صورة العلم في المجتمع؛ فحين يرى الطالب الأصغر أن شقيقه الأكبر تخرج ولم يجد وظيفة، يبدأ في فقدان الدافع للجد والاجتهاد. تضعف ثقته بالجامعة، ويبدأ في التفكير أن سنوات الدراسة ليست سوى مضيعة للوقت والمال.

في المدارس، يسأل بعض التلاميذ معلميهم ببراءة جارحة: "لماذا نتعلم إذا كان الخريجون عاطلين عن العمل؟".

هكذا تتحول البطالة إلى وباء لا يضرب الأفراد فقط، بل يضرب قيمة العلم نفسها. ويصبح خطر تراجع الإيمان بالتعليم أخطر من خطر البطالة ذاتها، لأن مجتمعا يفقد ثقته بالعلم يفقد أمله في المستقبل.

أزمة ممتدة الجذور

  • تعليم نظريّ منفصل تماما عن سوق عمل يزداد قسوة

هذه الأزمة ليست طارئة ولا وليدة اللحظة؛ إنها نتيجة تراكمات لسنوات طويلة من غياب التخطيط وضعف التنسيق بين الجامعات وسوق العمل.

الجامعات تواصل استقبال عشرات الآلاف من الطلبة في تخصصات مشبعة، من دون دراسة دقيقة لاحتياجات السوق، بينما التخصصات التقنية والمهنية التي يحتاجها المجتمع تظل شبه مهملة.

أما الحكومات، فقد فشلت في وضع سياسات واضحة لتوظيف الخريجين، أو لتشجيع القطاع الخاص على استيعابهم برواتب لائقة. وغابت عن المشهد برامج جادة لدعم المشاريع الريادية للشباب، التي يمكن أن تفتح لهم أبواب عمل جديدة وتخلق فرصا بديلة.

والنتيجة أن الخريج يجد نفسه ضحية منظومة تعليمية واقتصادية غير مترابطة، يدفع ثمن أخطاء لم يكن طرفا فيها.

إن أزمة البطالة ليست مجرد قضية اقتصادية، بل هي قنبلة اجتماعية مؤجلة، وكلما طال إهمالها كان انفجارها أشد وأعمق

المجتمع يدفع الفاتورة الثقيلة

  • شباب ضائع وأسر مفككة وأمل يتلاشى

حين يفقد الشباب إيمانهم بالعلم والعمل، يدفع المجتمع بأسره الثمن. تزداد معدلات الهجرة، وترتفع نسب البطالة المقنّعة، ويترسخ شعور عام باللاجدوى.

هذا الإحباط يولّد بدوره مشاكل اجتماعية أوسع: تفككا أسريا، وزيادة نسب الجريمة، وحتى اضطرابات سياسية، لأن جيلا كاملا يشعر أنه بلا مكان في بلده.

إن أزمة البطالة ليست مجرد قضية اقتصادية، بل هي قنبلة اجتماعية مؤجلة، وكلما طال إهمالها كان انفجارها أشد وأعمق.

لم تعد الخلافات العائلية تدور حول تفاصيل الحياة اليومية الصغيرة، بل حول الأساسيات: كيف نوفر الإيجار؟ كيف ندفع أقساط المدرسة؟ كيف نشتري الطعام؟

التضخم يقتحم جدران البيوت

  • كيف دفعت الأزمة الاقتصادية كثيرا من الأزواج إلى الطلاق والانفصال؟
إعلان

إلى جانب البطالة، جاء التضخم كعبء إضافي أثقل كاهل الشباب والأسر؛ إذ لم يعد الخريج العاطل يعاني فقط من غياب الوظيفة، بل حتى من ضياع القدرة الشرائية.

أسعار المواد الغذائية ترتفع بشكل متواصل، وإيجارات السكن تضاعفت، والكهرباء والوقود لم يعودا في متناول الجميع.
كل ذلك انعكس مباشرة على استقرار الأسرة؛ فكثير من الزيجات تنهار بعد سنوات قليلة؛ بسبب ضغوط المعيشة، فتزداد حالات الطلاق والانفصال.

لم تعد الخلافات العائلية تدور حول تفاصيل الحياة اليومية الصغيرة، بل حول الأساسيات: كيف نوفر الإيجار؟ كيف ندفع أقساط المدرسة؟ كيف نشتري الطعام؟

الأرقام في بعض الدول العربية تُظهر ارتفاعا مقلقا في معدلات الطلاق، والسبب الأول غالبا هو الأزمة الاقتصادية.

وهكذا نرى كيف يتحول التضخم والبطالة من أرقام جامدة في تقارير اقتصادية إلى جروح عميقة في جسد المجتمع، تصيب علاقاته وروابطه الإنسانية في الصميم.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان